مجتمع

كلمة السيد رئيس النيابة العامة لافتتاح الدورة التكوينية حول موضوع: “تعزيز دور قضاة النيابة العامة في توفير حماية ناجعة للمرأة”

بسم الله الرحمان الرحيم، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين.

السيدة كارمن مورتي غوميز، رئيسة مكتب مجلس أوروبا بالمغرب؛
السيد الرئيس الأول لمحكمة الاستئناف والسادة رؤساء المحاكم – الابتدائية للدائرة القضائية بمراكش؛
السادة الوكلاء العامون للملك والسادة وكلاء الملك؛
السادة الخبراء والمؤطرون؛
يسعدني أن أفتتح وإياكم أشغال هذه الدورة التكوينية من نوعها والتي تكتسي أهمية بالغة ويحظى موضوعها بأولوية في السياسات العمومية للمملكة وباهتمام كل الفاعلين المؤسساتيين والمعنيين من المجتمع المدني بقضايا المرأة.
وبهذه المناسبة فإني أغتنم الفرصة لأوجه شكرا خاصا لكل من الاتحاد الأوروبي ومجلس أوروبا على التعاون المثمر الدائم مع رئاسة النيابة العامة ودعم مبادراتها الرامية الى تعزيز قدرات السادة القضاة في موضوع حماية المرأة، وبشكل عام حماية الحقوق والحريات.
حضرات السيدات والسادة؛
إن العنف ضد المرأة حاجز في سبيل تحقيق الامن الاجتماعي، كما أنه يحول دون تحقيق أهداف التنمية المستدامة. وهو ما يبرر العناية المولوية الدائمة بالنهوض بالمساواة بين الجنسين وتعزيز الحقوق الأساسية للمرأة المغربية، وفي هذا الإطار نستحضر نص الخطاب الملكي الذي وجهه جلالة الملك نصره الله بمناسبة الذكرى 23 لاعتلائه العرش يوم 30 يوليوز 2022، حيث قال جلالته (إن بناء مغرب التقدم والكرامة، الذي نريده، لن يتم إلا بمشاركة جميع المغاربة، رجالا ونساء، في عملية التنمية لذا، نشدد مرة أخرى، على ضرورة المشاركة الكاملة للمرأة المغربية، في كل المجالات.
وقد حرصنا منذ اعتلائنا العرش، على النهوض بوضعية المرأة، وفسح آفاق الارتقاء أمامها، وإعطائها المكانة التي تستحقها، ومن أهم الإصلاحات التي قمنا بها، إصدار مدونة الأسرة، واعتماد دستور 2011، الذي يكرس المساواة بين المرأة والرجل، في الحقوق والواجبات، وينص على مبدأ المناصفة كهدف تسعى الدولة إلى تحقيقه.
فالأمر هنا، لا يتعلق بمنح المرأة امتيازات مجانية؛ وإنما بإعطائها حقوقها القانونية والشرعية. وفي مغرب اليوم، لا يمكن أن تحرم المرأة من حقوقها). انتهى النطق الملكي السامي.
حضرات السيدات والسادة؛
إن المركز القانوني للمرأة المغربية شهد تغييرا كبيرا بصدور دستور 2011 الذي كرس مبدأ المساواة بين الجنسيين كأحد المرتكزات الأساسية للنهوض بوضع المرأة وجعلها تعتلي ركب التنمية وتتمتع بكافة الحقوق الانسانية على قدم المساواة مع الرجل. كما شكل انخراط المملكة في المنظومة الدولية لحقوق الانسان ركيزة أساسية في مجال مناهضة العنف ضد النساء، من خلال المصادقة على العديد من المواثيق الدولية خاصة اتفاقية القضاء على كافة اشكال التمييز ضد المرأة وكذا البروتوكول الملحق بها الذي دخل حيز التنفيذ في 22 يوليوز 2022.

ولا يخفى عليكم أن رئاسة النيابة العامة دأبت منذ استقلالها على جعل مكافحة العنف ضد النساء ضمن أولويات السياسة الجنائية من خلال تتبع عمل النيابات العامة في الموضوع، خاصة تسهيل ولوج النساء ضحايا العنف إلى الحماية القضائية ومنع استمرار العنف ضدهن، وجسدت ذلك من خلال العديد من الدوريات التي تم توجيهها إلى النيابات العامة.
وبصدور القانون رقم 103.13 المتعلق بمحاربة العنف ضد النساء، عملت على مواكبة النيابات العامة من أجل ضمان حسن تنزيل مقتضياته سواء من خلال توجيه منشور إلى النيابات العامة لدى المحاكم، تحثهم من خلاله على ضرورة تفعيل المستجدات التي تضمنها، والحرص على حسن تطبيقه، وتحديد الإشكاليات التي تتعلق بفهم أحكامه، أو من خلال تنظيم لقاءات دراسية لفائدة قضاة النيابة العامة حول التعريف بهذا القانون والفهم الصحيح لمضامينه من أجل حماية أفضل وأنجع للنساء.
وإذا كانت الجهود ظلت متواصلة لمواجهة هذه الظاهرة فإن عدد القضايا المسجلة على المستوى الوطني يظل مقلقا حيث بلغ سنة 2021 – 23879 قضية، مما يسائل المتدخلين في الموضوع ويقتضي مضاعفة الجهود بهدف تطويق كل الأسباب المؤدية لهذا العنف وفي ذات الوقت مواجهة المتورطين فيه بكل صرامة وبما يلزم من جزاءات قانونية.
ويستدعي من جهة أخرى تكثيف الجهد لتوفير أنجع السبل للتكفل بالضحايا.

حضرات السيدات والسادة؛
إن منظور رئاسة النيابة العامة للعنف ضد المرأة والفتاة يتسع ليشمل موضوع زواج القاصر بوصفه انتهاكا لحقوق الفتاة يحرمها من حقها في النمو السليم ويعترض سبيل بناء شخصيتها المستقلة، ومن أجل ذلك جعلت مكافحة الزواج المبكر من بين أولوياتها ووجهت عدة دوريات للنيابات العامة تحثها على اليقظة اتجاه طلبات زواج القاصر من أجل الحرص على احترام الشروط التي فرضها المشرع لقبول هذا الزواج ومن أجل عدم التردد في التماس رفض الطلب متى تنافى مع المصلحة الفضلى للقاصر.
وهو ما انعكس إيجابا على تفاعل قضاة النيابة العامة في الموضوع حيث ارتفع عدد ملتمسات النيابة العامة برفض الإذن بزواج القاصر من 12773 ملتمس سنة 2020 إلى 20200 ملتمسا سنة 2021.
وسعيا لتكريس هذه المكتسبات وإثر إنجاز الدراسة التشخيصية حول زواج القاصر وتفعيلا لتوصياتها عملت رئاسة النيابة العامة بشراكة مع كافة القطاعات الشريكة على إعداد مشروع خطة عمل للحد من زواج القاصر وأسبابه وآثاره السلبية من خلال عدة إجراءات منها ما يتعلق بالوقاية ومنها ما يتعلق بتطوير معالجة قضايا زواج القاصر ومنها ما يهم تطوير البنيات التحتية والأوضاع الاجتماعية ذات الصلة بالموضوع.
كما تعلمون فقد توج انخراط رئاسة النيابة العامة في هذا السياق بالتوقيع على إعلان مراكش تحت الرئاسة الفعلية لصاحية السمو الملكي الأميرة الجليلة للا مريم إلى جانب العديد من القطاعات الحكومية، كإطار عام للقضاء على العنف ضد النساء في إطار مقاربة تشاركية شمولية تقتضي تعبئة كل القطاعات خاصة الموقعة على الإعلان لمحاصرة هذه الظاهرة.
ومن بين المقتضيات الأساسية للإعلان التزام رئاسة النيابة العامة بإعداد البروتوكول الترابي للتكفل بالنساء ضحايا العنف وبتنسيق تنفيذه من قبل الموقعين عليه من أجل ضمان تكفل ناجع بالنساء ضحايا العنف وتقديم خدمات قضائية واجتماعية ذات جودة تتيح إعادة الاعتبار لهن وحفظ خصوصياتهن وكرامتهن مع السعي لتمكينهن الاقتصادي والاجتماعي.
وبعد مرور سنة على دخول البروتوكول الترابي حيز التنفيذ والعمل بمضامينه، عملت رئاسة النيابة العامة باعتبارها الجهة المنسقة لتنفيذ البروتوكول ومن أجل تقييم العمل به وجهت دورية للنيابات العامة من أجل الوقوف على جودة الخدمات المقدمة للنساء ضحايا العنف، والحرص على سلامة الإجراءات القانونية والقضائية والتذكير بالإجراءات الحمائية الضرورية، كما عملت بتنسيق مع شركائها على اعتماد استمارة تقييمية لقياس تطور العمل بالبروتوكول. وقد وجهت هذه الاستمارة إلى كافة النيابات العامة وكافة العاملين المعنيين لدى وزارة الصحة والتضامن والادماج الاجتماعي والأسرة من أجل إعداد تقرير أول سيكون مناسبة لتقديم التوصيات الضرورية في الموضوع.
وغني عن البيان أن السادة المسؤولين القضائيين بالنيابات العامة يتولون السهر على تنفيذ مقتضيات هذا البروتوكول الترابي كما انهم مسؤولون على تنفيذ مضامين السياسة الجنائية ذات الصلة، وستكون هذه الدورة التكوينية مجالا للنقاش حول الإشكاليات العملية التي تعترض التطبيق السليم لكل الضمانات القانونية الخاصة بالحماية الجنائية للمرأة، والوقوف على الممارسات القضائية الفضلى الكفيلة بتجاوز هذه الصعوبات.
لذا فإنني أدعو السادة المشاركين في هذا اللقاء العلمي إلى استثمار أشغاله لتعميق النقاش بهدف توحيد الرؤى والتوجهات والتوافق حول أنجع السبل لتحقيق تكفل ناجع بالنساء ضحايا العنف مستحضرين في ذلك ما يزخر به القانون المغربي من أمكانيات تفسح المجال للانتصار للحقوق الإنسانية للمرأة والاضطلاع بالمسؤوليات التي جعلها المشرع على عاتق كل المعنيين بهذا الموضوع سواء من خلال الدور المتمثل في تدبير الدعوى العمومية أو من خلال رئاسة اللجن المحلية والجهوية للتكفل بالنساء ضحايا العنف.
وفي الختام أود ان أجدد شكري لكل من الاتحاد الأوروبي ومجلس أوروبا على مساهمتها في تنظيم هذه الندوة التكوينية، والشكر موصول أيضا لكافة الخبراء وقضاة وأطر رئاسة النيابة العامة الذين سهروا على إعداد وتنظيم انعقاد هذه الدورة متمنيا لكم التوفيق في أشغالها.
وفقنا الله جميعا لما فيه خير عدالتنا ووطننا، انسجاما وتماشيا مع التوجيهات الملكية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده، وأقر عينه بولي عهده صاحب السمو الملكي الأمير مولاي الحسن وشد أزره بصنوه الرشيد مولاي رشيد، إنه سميع مجيب الدعاء.
والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته
مولاي الحسن الداكي
الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض

إعلان

قد يعجبك ايضا

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق