مجتمع

كلمة السيد الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض، رئيس النيابة العامة في اليوم الدراسي حول موضوع: (التنسيق المؤسساتي : نحو تصور مشترك لتكريس الحكامة الارتفاقية وحماية المعطيات ذات الطابع الشخصي)

بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على سيد المرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين.
– حضرات السيدات والسادة كل باسمه وصفته والاحترام الواجب لشخصه.
إنه لمن دواعي الاعتزاز والافتخار أن أُمثل رئاسة النيابة العامة في افتتاح أشغال هذا اليوم الدراسي المنظم بشراكة بين المجلس الأعلى للسلطة القضائية ورئاسة النيابة العامة، ومؤسسة وسيط المملكة واللجنة الوطنية لمراقبة حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي، والذي يتناول موضوعا في غاية الأهمية ألا وهو (التنسيق المؤسساتي: نحو تصور مشترك لتكريس الحكامة الارتفاقية وحماية المعطيات ذات الطابع الشخصي). هذا اليوم الدراسي الذي التأم لجمعه ثلة من القضاة والأطر الممارسين والفاعلين في المجال القانوني بهدف دراسة ومناقشة الجوانب القانونية لحماية المعطيات ذات الطابع الشخصي والعمل على تكريس الحكامة الارتفاقية والذي يكرس المبدأ الدستوري المتعلق بالتعاون بين السلط.
وبهذه المناسبة أود أن أرحب بجميع المشاركين وأن أهنئ كافة الشركاء كل من موقعه على حسن اختيار الموضوع، الذي له راهنية كبرى بالنظر للبعد الحقوقي الذي يجسده وكذا بالنظر أيضا للتحديات التي أصبحت تطرحها حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي أمام بروز أشكال متعددة من الممارسات التي باتت تنتهك خصوصية الأفراد، لاسيما إزاء ما أفرزه التطور التكنولوجي المتسارع من أشكال متطورة لبعض الظواهر الإجرامية مما يستلزم تنسيق الجهود بين مختلف الفاعلين تحقيقا لتكامل الأدوار في ما بينها وتكريساً الحكامة في مجال حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي.
حضرات السيدات والسادة

لقد حظي الحق في الحياة الخاصة باهتمام خاص في المواثيق الدولية لحقوق الإنسان ونخص بالذكر الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في مادته 12 التي نصت على أنه “لا يجوز تعريضُ أحد لتدخُّل تعسُّفي في حياته الخاصة أو في شؤون أسرته أو مسكنه أو مراسلاته، ولا لحملات تمسُّ شرفه وسمعته، ولكلِّ شخص حقٌّ في أن يحميه القانونُ من مثل ذلك التدخُّل أو تلك الحملات”. وبنفس المعنى نصت المادة 17 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية على أنه لا يحوز تعريض أي شخص، على نحو تعسفي أو غير قانوني، لتدخل في خصوصياته أو شؤون أسرته أو بيته أو مراسلاته، ولا لأي حملات غير قانونية تمس شرفه أو سمعته، ومن حق كل شخص أن يحميه القانون من مثل هذا التدخل.
وتكريسا للبعد الحمائي للحق في الخصوصية، أحاطه دستور المملكة بحماية خاصة من خلال الفصل 24 الذي ينص على أن ” لكل شخص الحق في حماية حياته الخاصة، وأن لا تنتهك سرية الاتصالات الشخصية، كيفما كان شكلها، ولا يمكن الترخيص بالاطلاع على مضمونها أو نشرها، كلا أو بعضا، أو باستعمالها ضد أي كان، إلا بأمر قضائي، ووفق الشروط والكيفيات التي ينص عليها القانون”.
وإذا كانت الحياة الخاصة قد حظيت بهذه الحماية الحقوقية والدستورية والقانونية فإن الطفرة التكنولوجية وما أفرزته من تطورات في تقنيات المعالجة الآلية للمعطيات الشخصية للأفراد، وظهور أنماط جديدة للجريمة في الفضاء المعلوماتي أصبح يهدد الخصوصية بمفهومها الواسع. ولقد ساهم في ذلك تزايد استخدام الوسائط الرقمية والإقبال الكبير على استخدام شبكة الانترنيت وشبكات التواصل الاجتماعي، وإن كان هذا الأمر قد سهل إلى حد كبير عملية التواصل وقرب المسافات واختزل الزمن، فإنه بالمقابل أصبح مصدراً للعديد من الانتهاكات والخروقات الناتجة عن إساءة استعمال المعطيات الشخصية للأفراد و التي تعد عنصراَ من عناصر حياتهم الخاصة، لاسيما عندما توضع هذه المعطيات بين أياد تستغلها لأهداف غير مشروعة، كالابتزاز والتهديد والسب والقذف والتشهير وغيرها من المظاهر التي باتت منتشرة في الفضاء المعلوماتي.
وأمام هذه التحديات، كان لزاماً على المشرع سن قوانين لتنظيم عمليات معالجة وتخزين واستعمال المعطيات الشخصية للأفراد وذلك بهدف خلق التوازن بين متطلبات التنمية الرقمية من جهة وبين حماية الحياة الخاصة للأفراد من جهة ثانية.
وفي هذا الإطار صدر بتاريخ 18 فبراير 2009 القانون رقم 09.08 المتعلق بحماية الأشخاص الذاتيين تجاه معالجة المعطيات ذات الطابع الشخصي، والذي قنن عمليات تجميع وتخزين واستعمال المعطيات ذات الطابع الشخصي وأقر أحكاما خاصة بالتزامات المسؤول عن المعالجة وحقوق الأشخاص المعنيين بها، كما رتب عقوبات إدارية وجنائية عند الإخلال بها.
وإلى جانب ذلك، صدرت مجموعة من النصوص القانونية الخاصة بحماية المعاملات التي تستعمل الأنظمة المعلوماتية والفضاء الرقمي، كما هو الشأن بالنسبة للقانون رقم 07.03 المتعلق بالمساس بنظم المعالجة الآلية للمعطيات والذي يهدف إلى مكافحة الجرائم المعلوماتية التي تخل بسير نظم المعالجة الآلية للمعطيات ، والقانون رقم 53.05 المتعلق بالتبادل الالكتروني للمعطيات القانونية والذي يروم تأمين المعاملات التي تتم بطرق إلكترونية، إضافة إلى القانون رقم 31.08 القاضي بتحديد تدابير حماية المستهلك والذي تضمن أحكاما خاصة بالتعاقد الالكتروني وعقود الاستهلاك المبرمة عن بعد وما يرتبط بها من ضمانات خاصة بحماية التوقيع الإلكتروني، وغيرها من النصوص القانونية الأخرى ذات الصلة بالموضوع.
ولقد واكب إرساء هذه الترسانة القانونية إحداث آليات مؤسساتية للسهر على تفعيلها عبر إحداث مجموعة من المؤسسات واللجن الوطنية المتخصصة في هذا المجال، في مقدمتها اللجنة الوطنية لمراقبة وحماية المعطيات ذات الطابع الشخصي.
ولقد توخى المغرب من وراء هذه المنظومة القانونية والمؤسساتية، بالإضافة إلى تحصين الحياة الخاصة للأفراد، ملاءمة قوانينه مع التشريعات والاتفاقيات الدولية ذات الصلة بمجال توفير الحماية القانونية للمعطيات الشخصية.

حضرات السيدات والسادة
لقد أوكل المشرع للنيابة العامة بموجب بعض النصوص القانونية جملة من الاختصاصات تتعلق بحماية الحياة الخاصة للأفراد، ومن هذا المنطلق وبالنظر للأدوار التي تضطلع بها رئاسة النيابة العامة في تنفيذ السياسة الجنائية، فقد جعلت من مسألة حماية الحياة الخاصة للأفراد إحدى الأولويات الأساسية للسياسة الجنائية التي تسهر على تتبع تنفيذها.
وفي هذا الإطار بادرت رئاسة النيابة العامة إلى اعتماد مجموعة من التدابير والإجراءات والبرامج الهادفة إلى القيام بالأدوار المنوطة بها في هذا المجال ، سواء على مستوى الخدمات التي تقدمها لفائدة المرتفقين أو على مستوى تقوية قدرات قضاة النيابة العامة لدى المحاكم في المجالات المتصلة بحماية المعطيات ذات الطابع الشخصي، حيث حرصت رئاسة النيابة العامة على مستوى تدبير التطبيقات الالكترونية التي تقدم بواسطتها خدماتها للمرتفقين على سلوك مختلف المساطر المعمول بها من أجل الحصول على الأذونات والتراخيص التي ينص عليها القانون 09.08 المتعلق بحماية الأشخاص الذاتيين تجاه معالجة المعطيات ذات الطابع الشخصي ، حيث حصلت رئاسة النيابة العامة سنة 2019 على ترخيص من اللجنة الوطنية لحماية المعطيات ذات الطابع الشخصي من أجل معالجة البيانات الشخصية المحصل عليها من الأشخاص الذين يقومون بالتبليغ عن جرائم الرشوة
والفساد في مركز النداء الخاص بتلقي مكالمات التبليغ عن هذه الجرائم، كما حصلت أيضاً خلال سنة 2020 على الإذن المسبق من اللجنة المذكورة من أجل معالجة طلبات الحق في الحصول على المعلومات في إطار تطبيق القانون 31.13، وأيضا حصلت على ترخيص من نفس اللجنة من أجل إنشاء منصة إلكترونية خاصة بتلقي شكايات النساء ضحايا العنف، بالإضافة الى حصولها على ترخيص من أجل معالجة المعلومات الشخصية للموارد البشرية العاملة برئاسة النيابة العامة، وهي كلها إجراءات تعكس حرص هذه الرئاسة على ضمان التفعيل الأمثل للمقتضيات القانونية المذكورة.
أما على مستوى دعم قدرات قضاة النيابة العامة في مجال حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي، فقد بادرت رئاسة النيابة العامة إلى برمجة سلسلة من الورشات الجهوية لفائدة قضاة النيابة العامة وضباط الشرطة القضائية من أجل ضمان التنزيل السليم للمقتضيات التي جاء بها القانون رقم 09.08.
كما عملت رئاسة النيابة العامة أيضا على تأسيس شبكة لقضاة النيابة العامة متخصصين في مجال حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي على مستوى جميع محاكم المملكة وذلك بغية خلق التخصص في هذا النوع من القضايا ومراكمة الخبرات حتى ينعكس ذلك إيجابا على مستوى أدائهم المهني في هذا المجال.
وفي إطار تعزيز التعاون والتنسيق بين رئاسة النيابة العامة والهيئات المعنية بتطبيق القانون رقم 09.08، وقعت رئاسة النيابة العامة اتفاقية تعاون وشراكة مع اللجنة الوطنية لحماية المعطيات ذات الطابع الشخصي بتاريخ 17 يوليوز 2019
وتهدف هذه الاتفاقية إلى تنسيق الجهود وتقاسم الخبرات ، كما تم في هذا الإطار الاشتغال مع اللجنة المذكورة على وضع محضر نموذجي لضبط مخالفات القانون 09.08 وذلك لتفادي أي اختلالات شكلية قد تؤثر على المتابعات القضائية.

حضرات السيدات والسادة
لقد مرت أكثر من 11 سنة على صدور القانون 09.08 المتعلق بحماية الأشخاص الذاتيين تجاه معالجة المعطيات ذات الطابع الشخصي، وهي مدة كافية لتقييم مدى نجاعة المقتضيات التي جاء بها هذا القانون لتوفير الحماية القانونية للمعطيات الشخصية للأفراد ورصد مختلف الثغرات القانونية والاشكاليات العملية التي أبان عنها تنزيل أحكامه على أرض الواقع، لذلك فإن تنظيم هذا اليوم الدراسي بمشاركة نخبة من الممارسين سيكون فرصة سانحة لاستعراض وتدارس مختلف الإشكالات العملية التي تعترض التنزيل الأمثل له، واقتراح الحلول المناسبة لتجاوزها، كما سيشكل هذا اليوم الدراسي مناسبة للوقوف على مستوى التنسيق والتعاون بين السلطات والمؤسسات والهيئات المعنية بتنزيل أحكامه، وذلك من أجل تعزيز هذا التعاون والتنسيق فيما بينها ومعالجة مختلف الصعاب المطروحة وذلك تفعيلا لمبدأ التعاون بين السلط الذي أقره دستور المملكة.
ختاما، لا يسعني إلا أن أجدد شكري الجزيل للسيد الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية والسيد وسيط المملكة والسيد رئيس اللجنة الوطنية لمراقبة حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي، ولمختلف قضاة وأطر المؤسسات التي سهرت على تنظيم هذا اللقاء العلمي في إطار الشراكة في ما بينهم ، والشكر موصول أيضا لكافة السادة المتدخلين خلال هذا اللقاء وأيضا للسادة المشاركين فيه وللحضور الكريم الذي لا شك سيغني النقاش بآرائه وأفكاره ومقترحاته..
وفقنا الله تعالى لما فيه خير وطننا تحت القيادة الرشيدة لمولانا المنصور بالله صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله وحفظه بما حفظ به الذكر الحكيم وأقر عينه بولي عهده الأمير الجليل مولاي الحسن وشد أزره بصنوه الرشيد الأمير مولاي رشيد وسائر أفراد أسرته الشريفة.

والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
م. الحسن الداكي
الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض، رئيس النيابة العامة

إعلان

قد يعجبك ايضا

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق