مجتمع

الاقتصاد غير المهيكل في المغرب… بين الهشاشة والفرص الضائعة: تحليل علي الغنبوري يكشف ثغرات السياسات العمومية ويدعو إلى مقاربة إدماجية شاملة

في وقت تتزايد فيه التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تواجه المغرب، عادت مسألة القطاع غير المهيكل إلى الواجهة، بعدما كشفت دراسة حديثة للمندوبية السامية للتخطيط (2023/2024) عن واقع مزدوج يطبع هذا الفضاء الاقتصادي الهامشي. واقع تتقاطع فيه الدينامية مع الهشاشة، والابتكار مع العشوائية، ما يستدعي، حسب الخبير الاقتصادي ورئيس مركز الاستشراف الاقتصادي والاجتماعي، علي الغنبوري؛ “تجاوز المقاربة التقليدية التي تختزل هذا القطاع في مجرد حالة استثنائية، نحو إدراكه كعنصر بنيوي يتطلب استراتيجية وطنية للإدماج والتنظيم”.
معطيات مقلقة… وأرقام تتطلب التوقف
أكثر من مليوني وحدة إنتاج غير مهيكلة تنشط في الاقتصاد المغربي، حسب الدراسة، منها ما يفوق 22% متمركز في جهة الدار البيضاء-سطات وحدها. هذه الأرقام، بحسب الغنبوري، تؤشر على اتساع رقعة هذا الاقتصاد غير الخاضع للرقابة، وتضع علامات استفهام كبرى حول نجاعة السياسات العمومية المتبعة في تنظيمه.
ويضيف الغنبوري، في قراءة تحليلية لأهم ما جاء في تقرير المندوبية السامية للتخطيط حول الاقتصاد غير المهيكل، الذي توصلت جريدة le 7 TV بنسخة منه: “أغلب هذه الوحدات لا تتوفر على مقرات مهنية وتشتغل بفرد واحد فقط، ما يكشف عن منطق اقتصادي قائم على البقاء وليس على النمو أو الاستثمار، الأمر الذي يُفرز اقتصاداً منخفض الإنتاجية ويُضعف تنافسية النسيج الوطني.”
تجارة عوض التصنيع… ومهن غير لائقة
من حيث طبيعة الأنشطة، تهيمن التجارة على المشهد، في حين تبقى القطاعات ذات القيمة المضافة المرتفعة شبه غائبة. رغم وجود مؤشرات طفيفة على نمو قطاعي الخدمات والبناء، فإن الغنبوري يعتبر أن “هذه الدينامية ما تزال محدودة، لا من حيث الحجم ولا من حيث شروط العمل، مما يعمق الفجوة بين المهيكل وغير المهيكل”.
وتفتقر معظم هذه الأنشطة، بحسب التقرير، إلى الحد الأدنى من البنية التحتية، مما يجعل من دور الجماعات الترابية محورياً في توفير بيئة احتضان ملائمة لهذه الوحدات.
هشاشة شاملة… وتهميش للنساء
من زاوية اجتماعية، يظهر القطاع هشاشة صارخة، ليس فقط في ضعف التأطير القانوني والاجتماعي، بل أيضاً في غياب التمثيلية النسائية، حيث لا تتجاوز نسبة النساء 7.6% من أرباب الوحدات. هذه المعطيات، حسب الغنبوري، تعكس “العوائق الثقافية والمجتمعية، ناهيك عن غياب تكوين ملائم يؤهل النساء لولوج عالم ريادة الأعمال”.
تمويل مفقود وثقة غائبة
أحد أبرز معيقات تطور القطاع هو التمويل. إذ تشير الدراسة إلى أن أغلب الوحدات تعتمد على التمويل الذاتي، في ظل عزوف شبه تام عن القروض البنكية، ما يعكس إشكاليات الثقة في المنظومة المالية الرسمية، وأيضاً عدم ملاءمة الشروط والمعايير البنكية مع واقع هذه الأنشطة.
ويؤكد الغنبوري أن “تطوير منتجات مالية بديلة، مبنية على فهم عميق لطبيعة هذا القطاع، قد يشكل مفتاحاً لتوسيع قاعدة الاندماج الاقتصادي”.
مساهمة ضعيفة في الناتج الداخلي… وتفاوت داخلي صارخ
ورغم مساهمة القطاع بحوالي ثلث الشغل غير الفلاحي، فإن مساهمته في الناتج الداخلي الخام تراجعت من 15% سنة 2014 إلى 10.9% سنة 2024، ما يعكس، وفق تحليل الغنبوري، “ضعف الإنتاجية وانحصار القيمة المضافة في فئة محدودة من الوحدات (20% تخلق أكثر من 65% من القيمة)”.
هذه المؤشرات تعيد طرح مسألة العدالة داخل القطاع ذاته، حيث تتكاثف الثروة في يد قلة، في حين تبقى الغالبية رهينة الهشاشة والتبعية.
علاقة مرتبكة مع الاقتصاد المهيكل
من اللافت، حسب دراسة المندوبية، ارتفاع نسبة التزود من القطاع المهيكل، في حين تبقى المبيعات إليه ضعيفة. هذا التناقض، حسب علي الغنبوري، “يكشف أن القطاع غير المهيكل لا يزال يستخدم كحلقة أولى في سلاسل التوريد، دون أن يندمج فعلياً في السوق المنظمة، ما يبقيه في وضعية تبعية”.
نحو سياسة إدماجية… لا زجرية
أمام هذا الواقع، يرى الخبير الاقتصادي علي الغنبوري أن الرهان اليوم لا يجب أن يقتصر على دعوات التقنين، بل يتطلب رؤية مندمجة، قوامها: توفير فضاءات مهنية ملائمة، تسهيل الولوج إلى التمويل، تبسيط الإجراءات الإدارية، وتعبئة الجماعات الترابية كمحرك أساسي للتغيير.
ويختم الغنبوري تحليله قائلا: “نتائج دراسة المندوبية تضع بين أيدينا خريطة دقيقة لوضع القطاع غير المهيكل، ما يفرض تجاوز المقاربة الزجرية، نحو أخرى تحفيزية تدمج هذا الاقتصاد في دينامية التنمية، وتمنحه فرصة التحول من بؤرة هشاشة إلى رافعة للعدالة الاجتماعية والمجالية في مغرب اليوم.”
فاطمة الزهراء الجلاد.

قد يعجبك ايضا

Back to top button