من ضفاف نهر “وخش” إلى عتبات الرباط… طاجيكستان تطرق باب المغرب بأوراق الاعتماد والأمل

في صباح رباطي هادئ، حيث يلتقي التاريخ بالجغرافيا في صمت دبلوماسي أنيق، كان باب وزارة الشؤون الخارجية مفتوحًا على موعد جديد مع آسيا الوسطى. دخل السفير ميرزازاده برويز مرادعلي، المبعوث الطاجيكي الجديد، حاملاً أوراق اعتماده، لكنه حمل أيضًا ما هو أكثر من مستندات رسمية: أفقاً من التطلعات المشتركة، ودفتر نوايا حسنة يعبّر عن رغبة طاجيكستان في كتابة فصل جديد مع المملكة المغربية.
ناصر بوريطة، رجل الدولة الذي يعرف جيدًا أن السياسة الخارجية ليست مجرد واجب بروتوكولي، بل هندسة صامتة لعلاقات تُبنى على الاحترام والبراغماتية، استقبل السفير المقيم بالقاهرة بكامل الدقة واللباقة التي تليق بموقف من هذا النوع. لم يكن مجرد لقاء تقديم أوراق… بل كان لقاء بوصلات.
في مشهد يغيب عنه ضجيج الكاميرات، ويحضره وقع الخطوات الهادئة، تتقاطع طرق الرباط بدوشنبه، مدينتان تفصل بينهما آلاف الكيلومترات، لكن تجمعهما رغبة في رسم طريق ثالث خارج المحاور التقليدية. المغرب، البلد الإفريقي المُطل على أوروبا والمفتوح على العالم العربي، وطاجيكستان، الدولة الجبلية التي تربط آسيا الوسطى بالعالم الإسلامي… هل يمكن للبعد أن يتحول إلى جسر؟
السفير ميرزازاده لم يكن فقط رسول بلاده، بل كان حامل رمزية جديدة: أن العصر الجديد للعلاقات الدولية يمر عبر مداخل غير تقليدية، من قِبَل دول ربما لم تتبادل الكثير في الماضي، لكنها اليوم تتقاسم الأسئلة ذاتها: كيف نتحرر من التبعية؟ كيف نصوغ شراكات بديلة؟ كيف نضمن صوتًا مستقلًا في عالم معقد؟
في مكتب ناصر بوريطة، لا يتم استقبال السفراء على عجل. كل لقاء هو احتمال، وكل احتمال قد يُفضي إلى تحالف، أو على الأقل إلى تفاهم عابر للقارات. المغرب لا يكتفي اليوم بدوره الإقليمي، بل ينسج خيوط حضور عالمي هادئ وفعّال، حيث تأخذ العلاقات جنوب-جنوب معناها العملي لا فقط النظري.
الرباط تستقبل اليوم طاجيكستان، لا كجار بعيد، بل كشريك محتمل في قضايا الماء، والطاقة، والتعاون الإسلامي، والتنمية المستدامة. والسفير الجديد، وإن كان مقيماً في القاهرة، إلا أن حضوره في الرباط لم يكن غائبًا… بل دقيقًا في التوقيت، والرمزية، والدلالة.
المغرب يفتح نافذة جديدة على آسيا الوسطى، وطاجيكستان تفتح بابًا على إفريقيا الواعدة. وفي عالم تتداخل فيه الأزمات بالفرص، قد تكون هذه الخطوة بداية لصداقة غير متوقعة… لكنها بكل تأكيد ضرورية.



