
شهدت سوريا في الفترة الأخيرة تحولا غير مسبوق في تاريخها السياسي، تمثل في انتقال السلطة من نظام بشار الأسد إلى سيطرة تنظيم جبهة النصرة بقيادة أبو محمد الجولاني. عملية الانتقال هذه لم تكن وليدة اللحظة، بل جاءت نتيجة سلسلة من المفاوضات والنقاشات الدولية والإقليمية التي بدأت قبل أشهر من إتمامها، وشملت ترتيبات معقدة بين أطراف متعددة، أبرزها روسيا، تركيا، بريطانيا، وإسرائيل.
التفاهم الروسي-التركي: بداية التحولات
كانت النقطة المحورية في هذا التحول هي التفاهم بين روسيا وتركيا، الذي تم تسريب الجزء الأول منه في 14 دجنبر. وعلى الرغم من السرية التي أحاطت ببعض تفاصيله، إلا أن الأهداف كانت واضحة: إنهاء حكم الأسد وترتيب الأوضاع لضمان انتقال السلطة إلى قوى أخرى مقبولة دوليا، ولو نسبيا.
دور القوى الغربية والبريطانية
برز دور بريطانيا بشكل لافت في إدارة عملية الانتقال، إذ قاد رئيس محطة المخابرات البريطانية الأسبق في دمشق، ستيفن هيكي، المفاوضات نيابة عن لندن. وبحسب تقارير موثوقة، لعبت السفيرة البريطانية غير المقيمة، آن سنو، وخبير التواصل الإعلامي ماثيو بوث، أدوارا رئيسية في تدريب الجولاني على الظهور الإعلامي وتحسين صورته دوليًا، في محاولة لتقديمه كخيار مناسب للمرحلة المقبلة.
مصير الأقليات: رهانات وتحالفات جديدة
أحد أبرز التحديات التي واجهت عملية انتقال السلطة كان مصير الأقليات العرقية والدينية في سوريا.
– المسيحيون الأرثوذكس والكاثوليك: تعهدت تركيا بضمان أمنهم بالتنسيق مع روسيا، بينما تم إقصاء فرنسا من المشاركة في رعاية شؤون الكاثوليك بناءً على طلب تركي.
– الطائفة الدرزية: تركزت الترتيبات بشأنها على التنسيق بين تركيا وإسرائيل، حيث أُعطيت ضمانات واضحة من الشيخ موفق طريف لمنع أي اعتداءات على المناطق الدرزية في السويداء وغيرها.
– الطائفة الإسماعيلية: كانت الأقل نقاشا، إذ تلقت ضمانات محدودة عن طريق بريطانيا بعد سقوط النظام.
أما الطائفة العلوية، فقد واجهت مصيرا مجهولا. لم تجد هذه الطائفة، التي قدمت تضحيات كبيرة على مدى عقود، أي جهة دولية أو إقليمية تتبنى ضمان أمنها، ما يعكس حجم التوترات الطائفية والسياسية التي تحيط بها.
إسرائيل في قلب المعادلة
كان لإسرائيل دور أساسي في هذه المرحلة الحرجة، سواء من خلال تحالفاتها الأمنية مع بعض الأطراف أو عبر ضمان مصالح الطائفة الدرزية داخل فلسطين المحتلة وفي سوريا. بالإضافة إلى ذلك، شكل اغتيال قائد حزب الله فؤاد شكر واستهداف مواقع استراتيجية للحزب في سوريا جزءا من عملية إضعاف النظام وحلفائه، مما مهد الطريق لعملية الانتقال السياسي.
الجولاني: الوجه الجديد المدعوم دوليا
ظهر أبو محمد الجولاني كأبرز المستفيدين من هذا التحول، بفضل الدعم الغربي والتدريب الإعلامي الذي تلقاه. ومع ارتدائه الملابس ذات الطابع الغربي، حاول تقديم نفسه كقائد أكثر انفتاحا، بعيدا عن صورته السابقة كزعيم لتنظيم متطرف.
ما حدث في سوريا ليس مجرد انتقال للسلطة، بل هو إعادة تشكيل للخارطة السياسية في المنطقة، حيث تداخلت المصالح الدولية مع النزاعات الإقليمية والطائفية. يبقى السؤال: هل ستكون هذه الترتيبات بداية لمرحلة استقرار أم مقدمة لفصول جديدة من الصراعات؟ فقط الزمن كفيل بالإجابة.
فاطمة الزهراء الجلاد.
Follow Us



