
في بلد يقدّم نفسه كـ”قلعة الصمود” و”الممانعة”، لم يجد أحد كبار رجالات أمنه الداخلي سوى البحر طريقاً للهروب، مثل أي مهاجر سري يغامر بحياته عبر قوارب الموت. مشهد أقرب إلى الكوميديا السوداء: جنرال يحمل أسرار الدولة، يُطارد شبح التصفية الجسدية، ويجد في “كوستا بلانكا” الإسبانية ملاذاً أكثر أماناً من قصر المرادية.
هروب “ناصر الجن”، الرجل الذي كان يوصف بـ”الصندوق الأسود” للأمن الداخلي الجزائري، ليس مجرد حادث فردي، بل صفعة مدوية على وجه نظام يتغذى على شعارات السيادة بينما تنهشه صراعات الأجنحة. كيف يُعقل أن يتحول صاحب القرار الأمني إلى طريد يفرّ في الظلام مثل اللصوص؟ أليست هذه أكبر شهادة على أن “الجمهورية الجديدة” ليست سوى مسرح للجنون العسكري؟
الطريف أن النظام الذي يهوى اتهام الآخرين بالتآمر، صار يلتهم أبناءه واحداً تلو الآخر. بالأمس كانت الإقالات، واليوم الهروب، وغداً لا نعلم من سيُصفّى باسم “الحفاظ على الاستقرار”. أي استقرار هذا إذا كان الجنرالات أنفسهم لا ينامون مطمئنين في بيوتهم؟
في المغرب، حين نتحدث عن الأمن، نتحدث عن استقرار مؤسسات، عن شرعية شعبية، وعن رؤية واضحة للمستقبل. أما في الجارة الشرقية، فالهروب الأخير يختصر الحقيقة: دولة يحكمها الرعب، وتنهار فيها الثقة حتى بين أقطاب النظام.
“ناصر الجن” لم يهرب فقط من الجزائر… لقد هرب من كذبة اسمها “النظام الجزائري”. والجنرال الذي كان يوماً حارس النظام، صار اليوم أكبر فضيحة له.



