سياسة

فرنسا تُقفل أبوابها الرمزية: حين تُقاس “الفرنسية” بميزان الطاعة واللغة والعمل

في خطوة وُصفت بأنها “اختراق” قانوني، لكنها في جوهرها تعبير عن هاجس سياسي متصاعد، قدّم وزير الداخلية الفرنسي برونو روتايو، الاثنين، تعميماً جديداً يقضي بتشديد شروط منح الجنسية للأجانب. لم يأتِ القرار من فراغ، بل في سياق غربي محتقن تحوّلت فيه مفاهيم المواطنة إلى جدران دفاعية، لا إلى جسور إنسانية، وصارت فيه “الهوية” حقلاً أمنياً لا ثقافياً.

روتايو، الذي تحدّث من ضاحية كريتاي، لم يُخفِ نزعة المفاضلة بين “الجدارة” و”الحق”، معتبراً أن من يريد أن يصبح فرنسياً عليه أن يُثبت استحقاقه التام، من خلال الامتثال للقانون، إتقان اللغة الفرنسية، والاندماج في سوق العمل. لكن الخطير في خطابه لم يكن في المعايير الظاهرة، بل في الروح التي تسكنها: فرنسا لا تُبنى اليوم على النسب، بل على “الشعور بالانتماء”، وفق تعبيره.

لكن ماذا يعني “الانتماء” في فرنسا اليوم؟ وأي شعور يُطلب من اللاجئ أو العامل أو الطالب القادم من المشرق والمغرب وهو يرى أن المواطنة صارت مشروطة بمقاييس بيروقراطية لا تُراعي هشاشة التجربة ولا تعقيدات التاريخ؟ أليست فرنسا نفسها، في لحظات استعمارية سابقة، من فرضت هويتها قسراً على شعوب لم تسألها رأياً؟ فكيف لها الآن أن تحاسب من اختارها – لا من اختارته – على تفاصيل لغوية أو مهنية، بينما ماضيها الاستعماري لم يُفتح بعد على مساءلة عادلة؟

القرار، وإن بدا إدارياً تقنياً، ينطوي على بعد رمزي عميق: إنه إعلان غير مباشر بأن زمن “فرنسا الحاضنة” قد ولّى، وأن القادم من بلاد العرب أو إفريقيا عليه أن يقنع، ويبرر، ويثبت، ويُظهر الولاء… كي يُمنح شرف الورقة الزرقاء. إنها ليست فقط أوراق إقامة، بل أوراق اعتماد إنساني أمام دولة صارت ترى في الآخر تهديداً ثقافياً، لا غنى بشرياً.

مفارقة عميقة تظهر حين نُقارن بين هذا التشديد، وبين التعميم السابق الذي أصدرته الداخلية نفسها في يناير، والذي منح إمكانية تسوية وضعية بعض الأجانب غير النظاميين. فأي وجه تعتمده فرنسا اليوم؟ وجه القانون الصارم أم وجه التسوية المرحلية؟ أم أنها تقيس مواقفها بميزان انتخابي أكثر منه أخلاقي أو إنساني؟

يبقى السؤال الأعمق معلقاً: هل باتت الجنسية الفرنسية، التي لطالما حلم بها أبناء الجنوب كجسر للكرامة، مرادفاً للانصهار الكامل؟ وهل ستتحول المطالبة بالاندماج إلى عملية محو ممنهج لهويات أخرى، وعلى رأسها الهوية العربية التي تشكل اليوم، شئنا أم أبينا، أحد أعمدة الحضور البشري في فرنسا؟

في زمن يتراجع فيه وهج الجمهورية الخامسة أمام عواصف الهويات المغلقة، يبدو أن “أن تكون فرنسياً” لم يعد مسألة قانونية فقط، بل مسألة أيديولوجية، وربما عقائدية أيضاً.

وهنا، لن يعود السؤال: من يحق له أن يصير فرنسياً؟ بل: أي فرنسا نريد أن ننتمي إليها؟

قد يعجبك ايضا

Back to top button