في أقل من أربعة أشهر.. الأغنية المغربية تودع عملاقين من زمنها الذهبي

لم يكن مساء الجمعة عادياً في ذاكرة المغاربة، بعدما خيّم الحزن مجدداً على الساحة الفنية برحيل الفنان الكبير عبد الوهاب الدكالي عن عمر ناهز 85 عاماً، ليلتحق برفيقه الراحل عبد الهادي بلخياط الذي غادر الحياة يوم 31 يناير الماضي ، في مشهد مؤثر وكأن الأغنية المغربية الكلاسيكية تطوي صفحاتها الأخيرة تباعاً.
أقل من أربعة أشهر فقط فصلت بين رحيل اثنين من أكبر الأصوات التي صنعت وجدان أجيال كاملة، ورافقت المغاربة في أفراحهم وحنينهم وقصص حبهم. كان عبد الهادي بلخياط بصوته العذب وإحساسه الروحي يمثل مدرسة قائمة بذاتها، فيما ظل عبد الوهاب الدكالي عنواناً للأغنية المغربية الراقية، بصوته وألحانه وكلماته التي تجاوزت حدود الزمن.
ولم يكن الرابط بين الرجلين مجرد انتمائهما إلى جيل الرواد، بل جمعتهما أيضاً رحلة طويلة في الدفاع عن هوية الأغنية المغربية الأصيلة، خلال زمن كانت فيه الكلمة تُنتقى بعناية واللحن يُصاغ بروح الفنان لا بمنطق السرعة والاستهلاك. فقد شكّل الراحلان معاً جزءاً من العصر الذهبي للأغنية المغربية، إلى جانب أسماء خالدة طبعت تاريخ الفن الوطني لعقود.
وفي مشهد زاد من رمزية الفقد، دُفن الفنانان جنباً إلى جنب، وكأن القدر أراد أن يجمعهما حتى بعد الرحيل، بعدما جمعتهما الحياة على خشبات المسارح وفي ذاكرة المغاربة. صورة تختزل نهاية جيل كامل من العمالقة الذين صنعوا للمغرب مجداً فنياً لا يُنسى.
عبد الهادي بلخياط، صاحب “راحلة” و”القمر الأحمر”، اختار في سنواته الأخيرة حياة هادئة وروحية بعيداً عن الأضواء، بينما ظل عبد الوهاب الدكالي، صاحب “مرسول الحب” و”كان يا ما كان”، رمزاً للفنان المثقف الذي مزج بين الأصالة والتجديد، وفتح للأغنية المغربية أبواب الانتشار العربي الواسع.
واليوم، برحيلهما معاً، يشعر كثير من المغاربة وكأن جزءاً من ذاكرتهم الفنية قد انطفأ. فالأمر لا يتعلق فقط بوفاة فنانين كبيرين، بل برحيل زمن كامل كانت فيه الأغنية تحمل روحاً مختلفة، وصوتاً صادقاً، وإحساساً لا يشيخ



