بين عقيقة باطما ونواحي أمزميز سنوات ضوئية

غير بعيد عن مكان فاخر وسط مدينة مراكش، حيث أقيمت عقيقة “ابنة” باطما، هناك قدر ساخر إسمه جبال الأطلس الكبير، حيث الرياح الباردة تشعرك بغربة المنطقة الهادئة، هدوء ليس كذاك الذي حل وخيم على عقيقة غزل، فهل طفلة التسع أشهر أطربها صوت صاحبة “ديما ديما ذاحكين” ؟ هل تعي أن “ورذا يتناقسن تصارث خاس الجيب إخوان” ؟

أوريكا، تحناوت، أمزميز، إمليل، تيزي أوسم … حيث لا صوت يعلو على زقزقة العصافير وخرير المياه، وليس هذا فحسب، بل هذه المناطق التي تبعد أخر نقطها عن “سبـــوع غزل” بحوالي ثلاث ساعات من الزمن و ما يفوق 150 كيلومترا، تعرف أيضا تهميشا وعزلة، فأين باطما من كل هذا ؟ وهي التي لم تروى من بحر الغيوان سوى “أهل الحال، الصينية والله يا مولانا”، متناسية أن صوت عمها العربي رحمه الله صاح ذات يوم وسط الآلاف من التصفيقات “راه الفرق عظيم بين التفاح والرمانة”، وأكيد أنه كان يقصد فرق الثلاث ساعات بين فخامة حفل العقيقة و منطقة تيزي أوسم …

العربي رحمة الله عليه لم يقف هنا، بل ربما تنبأ لمستقبل “دنيا” عندما أبهر متسائلا وقال “هادي دنيا هذا طمع، فـــين غادا يا دنيا ؟ حال خوتي عذبني، فــين غادا يا دنيا ؟” … حسنا لربما علمنا أين ذهبت “دنيا” وماذا حل بها، لكن من هم “خوت” العربي ؟ … ولأن جوهر الموضوع جنس لطيف، فسنربط “خوت” العربي بنساء منطقة تيزي أوسم، اللواتي تتكلفن بكل شيء في غياب رجال اختاروا الفرار من القرى للمدن الكبرى بحثا عن لقمة عيش لا تتجاوز سبعون درهما في اليوم، للآسف كنا نريد ربط دراهم هؤلاء بـ”سبــوع صغيرة آل ترك” فتذكرنا أن لا مكان للدراهم في بذخ المكان، اللهم إن كنا سنتحدث عن الملايين، أما بالعودة لغياب “خوت” العربي عن منطقة تيزي أوسم، فتتحمل المرأة المسؤوليات جميعها، إذ تعتبر المعيلة والمربية والحاضنة، والمسؤولة عن كل تفاصيل الحياة اليومية، داخل البيت وخارجه.

إن رب العالمين من قال:”الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا” ثم “إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ”، هو نفسه من قال :” مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ” … هل تذكرت إبنة الحي المحمدي، أنها ذات يوم وبعد أن أنهت العمل في الحقول، ورعي الماشية، قطعت مسافات طويلة سيرا على الأقدام نحو الوادي لغسل الملابس وجمع الحطب وحمله على أكتافها في طريق العودة تحت غروب الشمس ؟ لا أعتقد ذلك لأن الأمر ربما مكتوب فقط على جبين نساء الأطلس الكبير.

ويحكى أنه في حفل عقيقة الصغيرة غزل إبنة دنيا باطما حفظها الله ورعاها، كانت الحلويات على أنواعها والمشروبات باختلاف مذاقها توزع على رأس كل خمس دقائق من تلك الليلة الباردة، أما “جيران” باطما بالأطلس الكبير فيكفيهم طبق “أفدوز” لمقاومة البرد القارس لساعات طويلة، نظرا لما توفره أكلة الشعير بالسمن والشحم وزيت الزيتون، من سعرات حرارية مهمة تغنيهم عن الأكل لوقت غير يسير، كما تساعد على توفير الدفء للجسم لساعات طويلة، ودفء الجبال هنا يا صديقي ليس كذاك الذي أحدثه الصويري والغاوي وسعيدة شرف وهدى سعد … والدليل أن حرارته جعلت عمر السيد ينسى أنه هلل ذات يوم “ما هموني غير الرجال الى ضاعو، ما هولوني غير الصبيان مرضو و جاعو”.

الاحتفالية بالعقيقة خرجت عن المألوف ودامت لأكثر من 8 ساعات، مفارقة غريبة تذكرني بتلك العربة التي قطعت نفس المدة على طريق جبلية غير معبدة من أجل نقل امرأة حامل للمركز الطبي، إلا أنها لفظت أنفاسها الأخيرة رفقة جنينها قبل أن تصل، فهل يا ترى إن عاشت هاته السيدة رفقة طفلها، كان هذا الأخير سيستقبل نفس الهدايا كغزل ؟ “اللهم لا حسد” على حد قول الإعلامي رضوان الرمضاني، الذي طالب من الحضور الالتفات نحو يتامى جرادة، أليس من حقهم هم أيضا “البرزة” و “الدهاز”، والتهافت على التقاط صور تذكارية ؟ أم أن الحدث لا يدخل ضمن “تغطية الأحداث الكبرى” ؟.

هناك مثل سويدي يقول : “لا نتوقع نسبة التساقطات ولكن نتوقع نسبة الثياب والبطانيات والمبيت والتدفئة” … يبين المثل السويدي أن المشكلة ليست في الظروف الطبيعية أو قسوة الطقس أو صقيع البرد، وإنما تكمن المشكلة الحقيقية في مدى تجهز الساكنة لفصل الشتاء والوسائل التي تقيهم من صقيع البرد، القولة لا علاقة لها بالعقيقة التي حضرها “دوك صاماد” مرتديا “مليفة سخونة”، أما “سلهام” فرح الفاسي أعتقد أنه مجهزا بما فيه الكفاية لحمايتها من البرد … وبعودتنا للمثل الاسكندينافي، فأعتقد أنه لا يتماشى مع المغرب العميق، حيث تعيش ساكنة القرى والبلدات النائية فقرًا مدقعًا وسط خدمات عمومية رديئة وأحيانًا منعدمة، كما تجد صعوبة في الحصول على المواد الأساسية للحياة.

يا معشر فندق مراكش … نحن لا نهاجم أحدا ولكن من باب قوله تعالى “ وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَىٰ تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ” نريد إخباركم أن الخبز هو أهم وجبة يقتات عليها سكان الأطلس الكبير إلى جانب الكسكس بالخضروات المحلية، أما للحصول على كيس من الدقيق فيقتضي ذلك الانتظار لأزيد من ثلاثة أشهر، وعن امتلاك بغل في جبال الأطلس فذلك يشبه امتلاك سيارة “إيفوك” التي شنف بها السرحاني مسامعنا … سكان الأطلس الكبير لا يعرفون ذلك “الثوب الأحمر” الذي تتمشون فوقه ويسمى السجاد الأحمر، لأنهم يفترشون تراب “التيرس” الأحمر، أمية وهدر مدرسي واستغلال سياسي لفقر يتجول راجلا في نواحي مراكش، هذا هو ملخص الملخص يا حضور العقيقة.

و في المقابل خرجت لنا دنيا بتصريح إعلامي يفيد أن ملايين المغاربة ينتظرون هذا اليوم لرؤية غزل … عذرا نحن نقدر مدى سعادتك بغزل بارك الله لك فيها، ولا نحاسبك على الملايين التي صرفت، ولا نحملك أي مسؤولية بل نعلم أنك تتمتعين بالحرية الكاملة والمطلقة، ولكن هناك أناس من ضمن هؤلاء الملايين ينتظرون فقط غزل الحياة والحطب والماء والضوء وإلى ذلك الحين نسأل الله أن يحفظ بلدنا الحبيب.

مهدي عصفاري

Comments (0)
Add Comment