غير مصنف

التعليم عن “قرب” عن “بعد”.. طلع تاكل الكرموص نزل شكون قالها ليك

ظهر الوزير كما وعدتنا القناة الأولى وجاء ليحكي لنا عن إحدى عجائب وزارة التربية والتعليم التي لا تنتهي، وهذه المرة جاء لنا بوصفة تعليمية عجيبة تساير الإيقاع الكوروني الذي يمر منها المغرب.

كان التعليم ولا يزال واحدا من التحديات التي ننادي جميعا بإصلاحها، وإصلاح مفاصلها وهياكلها عبر دعم حقيقي لمؤسسات التعليم العمومي وتجويدها بنفس الكيفية التي تم بها تجويد القطاع الخاص. واليوم يواجه التعليم المغربي امتحانا عسيرا غير يسير، فرضته الجائحة العالمية.

حين حل الفيروس اللعين بالمغرب ضيفا غير مرغوب فيه، فرض علينا أن نغير الإيقاع وطريقة تعاملنا مع أمور كثيرة كان ولا يزال أهمها التعليم، وأمام شدة فتك الكائن المجهري صار لزاما على الدولة أن تلجأ للبديل الذي لطالما استعمل في غير موضعه، واستخدم برعونة دون أن يتكلف أحد عناء الإشارة إلى أنه المستقبل الذي مناص منه قائلا ياقوم اسمعو وعوا..

نعم التعليم عن بعد واستخدام التكنولوجيا والحوسبة البديلة ورقمنة الحياة المدرسية، وهذا يعني أن الأستاذ صار لزاما عليه أن يتعلم أساسيات كثيرة على رأسها التصوير ووالمونتاج وكيفية الولوج إلى القاعات الرقمية ليلقي دروسا كانت تتعثر قبل أن تصل حضوريا فكيف سيكون الحال بها عن بعد، ولعل الجميع سمع تلك الرسائل الصوتية على تطبيق الواتساب والتي تم تسريبها، لتعكس لنا صورة خطيرة عن الجيل الذي نلقنه التربية والتعليم عن بعد.

ولعل أهم ما ميز البلاغ الذي أصدرته وزارة أمزازي هو تخيير الآباء بين تعليم أبنائهم عن بعد أو تحمل مسؤولية حضورهم، وهنا تخلي الدولة أي مسؤولية لها بهذا الاختيار التي سيتحمل أولياء الأمور تكلفته وتبعاته في حال لا قدر الله أصيب أحد أبنائها وبناتها بهذا الفيروس اللعين، وهذا لا ينطبق عليه سوى المثل المغربي الأكثر عمقا ووضوحا “طلع تاكل الكرموص نزل شكون قالها ليك”.

ولنكون واضحين أكثر وموضوعيين فالتعليم عن بعد لن يصلح ما أفسده العطارون على مدى عقود طويلة، وبالتالي كان الأجدر بالدولة أن تجد بديلا آخر غير هذا لأن التجربة أوضحت أننا غير جاهزين بعد لهذا الشكل من التعليم، وإذا كان السيد الوزير قد تحدث عن إحداث منصات خاصة للولوج المجاني، فما مصير القاطنين بالدواوير البعيدة، أبناء وبنات المغرب في القرى والمداشر والجبال حيث لا تصل الكهرباء ولا توجد تغطية كافية في أحسن الظروف في حين قد لا توجد نهائيا.

والأستاذ يا معالي الوزير هل كتب عليه كل هذا الشقاء ليبلغ رسالة كاد أن يكون بسببها رسولا، وأن ينشطر إلى نصفين بين تعليم حضوري وآخر عن بعد، وكيف له أن يوفق ويجمع بينهما،وهل أخضعتموه لتدريب وتكوين في هذا الباب، أم انكم قرأتم على مسامعه الآية الكريمة “إذهب أنت وربك فقاتلا”.

والمؤسسات الخاصة والجادة التي يقف بعضها على شفير الهاوية والإفلاس بعد أن امتنع الطلبة عن أداء الواجب الشهري وهم معذورون في هذا طبعا، فالجائحة لم تبقي ولم تذر، دون حتى أن تتواصلوا معها ويكفي أن إحدى المؤسسات صرحت بأنها توصلت بمذكرة وحيدة ويتيمة توصونها فيها بضرورة التعليم عن بعد، دون حتى ان تقترحوا عليها فكرة ما ولا أن توجهوها، بل تركتموها لمصيرها المحتوم وقريبا قد نسمع الأبواب وهي تغلق.
هذه المؤسسات كيف ستدفع رواتب العاملين بها، وكيف ستؤدي مستحقات الكراء وبأي شكل ستستمر مادامت الجائحة قد كتمت على أنفاسنا جميعا.

ما ظهر جليا وواضحا للعيان أن الوزارة في حيرة من أمرها تتخبط مثلها مثل الذي أصابه مس، والتعليم “ممسوس” منذ أمد بعيد، ولسنا عدميين ولا متشائمين ولكننا نقول لكم ونحن أولياء أمور وطلبة وتلاميذ أن التعليم عن بعد أثبت فشله الذريع وأنه لن يقوم الإعوجاج الذي يعاني منه القطاع، وأن الجائحة زادت الطين بلة وكشفت ما كان أحولا وكنا نمشي به كل هذه السنوات على غير هدى وعلى أمل أن يستقيم في يوم ما ثم أدركنا لاحقا انه لن يستقيم مادام قد خرج من الخيمة مائلا مترنحا.

ولن نجد خاتمة أفضل من هذه الرسالة التي وجهها ولي أمر إلى معاليكم يقول لكم فيها “إن الخيار الذي غاب عن بلاغكم، ويقصد تأجيل انطلاق الموسم الدراسي الحالي، كان هو القرار الذي يجب مناقشته مع الفرقاء السياسيين والنقابيين وجمعيات أمهات وآباء وأولياء التلاميذ والتلميذات،لأن المعطيات عن وباء كورونا،معطيات مخيفة وصادمة، فكيف والحال هذه،ان نسمح لأنفسنا بالمغامرة بصحة الأطفال ،في الوقت الذي لم نستطع ضبط والتحكم وإقناع كبار السن .

سيدي الوزير المحترم،تأجيل الدخول المدرسي لشهر واحد أو شهرين ،مع حجر صحي شامل وصارم،لا ينقص شيئا من حياة شعب،كما أن حياة طفل أهم وأعظم من موسم دراسي،فكيف بشهر أو شهرين.

السيد الوزير المحترم ،عند اتخاذ القرارات المصيرية،نحتكم فقط لمصلحة الشعب ،ولايمكن أن نجعلها رهينة مصالح فئوية ،أو مجاملة لجهات معينة لكسب ودها أو حماية لمصالحها.
“واسمحوا لي أن أقول لكم ،لقد أخطأتم الموعد مع التاريخ،وعليكم إعادة النظر في قراركم.

التاريخ سيذكر كل الذين سطروا شيئا لأجل البلاد والعباد، وسيذكر أكثر أولئك الذين وضعوا الأجيال القادمة في قائمة أولوياتهم، وسيذكرنا بخير إن نحن فقط قمنا بمحاربة الجوائح القديمة التي نعاني منها منذ أمد بعيد جوائح الفساد والرشوة والريع ورواتب البرلمانيين “المنفوخة” وتعطيل حملة الشواهد، حين نقضي على كل هذا وعلى رأسه الأمية والجهل أنذاك فقط قد ترحل كورونا.. أنذاك فقط سترحل كورونا وستعود فلذات أكبادنا إلى مقاعد الدراسة ترفع أصابع الأمل قائلة “أستاذ أنا أستاذ أنا”.

قد يعجبك ايضا

Back to top button