سياسة

قضية الصحراء المغربية: تحولات استراتيجية في المشهد الدولي ودينامية دبلوماسية تقودها الرباط بثبات

يشهد ملف الصحراء المغربية منذ سنوات تحولات متسارعة على الصعيدين الإقليمي والدولي، مدفوعاً بدينامية دبلوماسية قوية يقودها جلالة الملك محمد السادس، نصره الله، ترتكز على مبادئ الحزم في التمسك بالسيادة الوطنية من جهة، والواقعية السياسية والانفتاح على الحلول التوافقية من جهة ثانية، ضمن رؤية استراتيجية تدرج قضية الوحدة الترابية في صميم أولويات الدولة المغربية.
 تحولات متواصلة في موازين القوى الدولية
منذ سنة 2020، ومع اعتراف الولايات المتحدة الأمريكية بمغربية الصحراء، بدأت خريطة المواقف الدولية تميل بشكل واضح لصالح المقترح المغربي للحكم الذاتي، باعتباره الحل السياسي الأوحد الذي يحظى بإجماع دولي متزايد. ومع بداية سنة 2025، وبالضبط منذ شهر أبريل، دخل هذا الزخم مرحلة نوعية جديدة اتسمت بتكريس مغربية الصحراء في خطاب الدول الكبرى والمنظمات الإقليمية، بل وحتى في سياساتها الاستثمارية والاقتصادية.
ففي ظرف وجيز، جددت أكثر من 40 دولة دعمها الواضح لمبادرة الحكم الذاتي، ليرتفع بذلك عدد الدول المؤيدة إلى 123 بلداً، أي ما يمثل أزيد من 60 في المئة من الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، في دلالة واضحة على اتساع نطاق التأييد الدولي وضمور الأصوات المعارضة.
الولايات المتحدة والموقف المفصلي
من الناحية الجيوسياسية، لا يمكن تجاهل الوزن الرمزي والسياسي لموقف الولايات المتحدة الأمريكية، التي لم تكتفِ باعترافها بمغربية الصحراء سنة 2020، بل أكدت مؤخراً في عدة مناسبات دعمها الثابت للمبادرة المغربية، واعتبرتها “الخيار الواقعي والوحيد لتسوية هذا النزاع”. وهو موقف يكرّس تحولاً عميقاً في نهج واشنطن تجاه الملف، ويشكل ضغطاً مباشراً على الأطراف الأخرى للالتحاق بركب الحل السياسي.
المملكة المتحدة: دعم جديد من عضو دائم في مجلس الأمن
من أبرز المستجدات خلال سنة 2025، إعلان المملكة المتحدة بشكل رسمي عن دعمها للمقترح المغربي، واعتباره “أكثر الحلول مصداقية وقابلية للتطبيق”. ويُعد هذا التحول مهما للغاية، نظراً لكون بريطانيا عضواً دائماً في مجلس الأمن الدولي، ما يُضفي ثقلاً إضافياً على الموقف المغربي داخل أروقة الأمم المتحدة، ويزيد من عزلة خصوم المغرب في هذا المحفل الدولي.
تأييد أوروبي يتوسع
إلى جانب الموقف البريطاني، جرى تسجيل انضمام دول أوروبية أخرى مثل كرواتيا، مولدافيا، وسلوفاكيا، إلى قائمة الدول الداعمة للمبادرة المغربية، عقب الجولة الدبلوماسية التي قادها وزير الشؤون الخارجية ناصر بوريطة إلى عدد من العواصم الأوروبية في أبريل 2025. هذه التحركات الدبلوماسية لم تقتصر على تجديد الدعم فحسب، بل أسفرت عن بلورة شراكات اقتصادية واستثمارية جديدة في الأقاليم الجنوبية، في مؤشر واضح على اقتران الاعتراف السياسي بالدعم العملي على الأرض.
 الدعم العربي والإفريقي: الإجماع يتعزز
على مستوى العالم العربي، تواصل دول مجلس التعاون الخليجي الست دعمها الموحد والثابت لمغربية الصحراء، وهو موقف تم تجديده في عدة قمم ومناسبات دبلوماسية، مما يعكس تقاطع المصالح الإستراتيجية بين الرباط والعواصم الخليجية في ملفات الأمن الإقليمي والاستقرار السياسي.
أما في القارة الإفريقية، فقد سجلت كينيا تحولا واضحا في موقفها لصالح المغرب، لتنضم إلى لائحة طويلة من الدول الإفريقية التي أعلنت صراحة دعمها للوحدة الترابية للمملكة. كما انخرطت دول من أمريكا اللاتينية وآسيا – من ضمنها جمهورية كوريا – في الدينامية نفسها، ما يكشف عن مدى تغلغل الخطاب المغربي في الأجندات الدبلوماسية العابرة للقارات.
 على أرض الواقع: دبلوماسية تنموية وميدانية
بموازاة الزخم السياسي والدبلوماسي، تشهد الأقاليم الجنوبية للمملكة دينامية اقتصادية وتنموية غير مسبوقة، بفضل استثمارات استراتيجية في مجالات الطاقة المتجددة، البنية التحتية، الصيد البحري، السياحة، والتعليم العالي. هذه الدينامية جذبت اهتمام وفود أجنبية عديدة، التي تقوم بزيارات ميدانية متواصلة لمواكبة المشاريع التنموية، واستكشاف فرص الشراكة والتعاون، في أفق جعل الصحراء المغربية قطباً جهوياً للتنمية والاستقرار.
 الأمم المتحدة أمام مسؤولياتها التاريخية
أمام هذا التحول الكبير في المواقف الدولية، تطرح أسئلة ملحة حول مستقبل الوساطة الأممية في النزاع، خصوصاً في ظل ما يبدو أنه إجماع دولي غير مسبوق حول الحل المغربي. ويتزايد الضغط اليوم على الأمم المتحدة ومبعوثها الشخصي إلى الصحراء، ستيفان دي ميستورا، للارتكاز على مقترح الحكم الذاتي كقاعدة أساسية لأي حل تفاوضي.
 الرسالة الأوضح: نزاع الصحراء يقترب من نهايته
إن القراءة الموضوعية لهذا التحول الاستراتيجي توضح بما لا يدع مجالاً للشك أن قضية الصحراء باتت أقرب من أي وقت مضى إلى التسوية النهائية، وأن المعركة التي كانت دبلوماسية بالأساس، انتقلت إلى مرحلة ترسيخ المكتسبات وجني ثمار الاعتراف الدولي، وهو ما يعكسه الالتفاف المتزايد حول المغرب ومقترحه السياسي.
وبينما تزداد عزلة الأطراف الأخرى، وتغيب الحلول الواقعية في أجندتها، يواصل المغرب رسم معالم المرحلة المقبلة بثقة وعقلانية، معززاً موقعه كفاعل إقليمي موثوق، وكشريك دولي يستند إلى الشرعية والمصداقية والالتزام الدائم بالسلم والاستقرار.
فاطمة الزهراء الجلاد.

قد يعجبك ايضا

Back to top button