القرار الأممي 2797 يكرّس الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية: مسار جديد نحو الابتكار التنموي والاندماج الإفريقي

في تحول دبلوماسي تاريخي يعيد رسم ملامح النزاع الإقليمي حول الصحراء المغربية، شكّل القرار الأممي رقم 2797 الصادر في 31 أكتوبر 2025 محطة مفصلية في مسار القضية، بعدما كرس رسميًا مقترح الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية كأساس واقعي للتفاوض والحل السياسي. هذا الاعتراف الأممي يأتي ثمرة لمسار طويل من العمل الدبلوماسي والإصلاحات العميقة التي قادتها المملكة المغربية منذ عقود، لترسيخ مقاربة تجمع بين الشرعية التاريخية والواقعية السياسية في إطار الوحدة الوطنية.
المركز الإفريقي للدراسات الاستراتيجية والرقمنة (CAESD) اعتبر في مقال تحليلي أن هذا التطور الأممي يؤشر على بداية مسيرة خضراء جديدة، عنوانها الابتكار التنموي والاندماج الإفريقي. فالمغرب، الذي حوّل الأقاليم الجنوبية إلى أقطاب اقتصادية كبرى، يواصل اليوم ترجمة مقترح الحكم الذاتي إلى مشروع مجتمعي شامل، يزاوج بين التنمية المستدامة والحكامة الجهوية المتقدمة.
التقرير أبرز أن العلاقة التاريخية بين الأقاليم الجنوبية والمملكة تمتد عبر قرون، وتجسدت في روابط البيعة الشرعية التي تجمع قبائل الصحراء بالعرش العلوي، ما يرسخ الارتباط العضوي بين المنطقة والمركز السياسي للمملكة. كما ذكّر بأن المسيرة الخضراء سنة 1975 كانت محطة مفصلية جسدت التلاحم بين العرش والشعب لاسترجاع الأقاليم الجنوبية بطريقة سلمية وحضارية، في نموذج فريد من نوعه في التاريخ الحديث.
من جانب آخر، شدد المقال على أن البعد التنموي للحكم الذاتي يشكل الركيزة الأساسية لتجسيد هذا الخيار على أرض الواقع. فقد تحولت مدن كـالعيون والداخلة إلى مراكز اقتصادية واعدة بفضل مشاريع مهيكلة كـالطريق السريع تزنيت–الداخلة وميناء الداخلة الأطلسي، إضافة إلى استثمارات كبرى في مجالات الطاقات المتجددة، والتعليم، والصحة، والبنية التحتية. هذه الدينامية، بحسب المركز، تؤكد نجاح المغرب في بناء نموذج متكامل يربط التنمية المحلية بالسيادة الوطنية.
وفي الإطار المؤسساتي، أوضح المركز أن دستور 2011 وما تلاه من قوانين الجهوية المتقدمة سنة 2015 شكّلا الأرضية الدستورية والقانونية لمقترح الحكم الذاتي، من خلال نقل صلاحيات واسعة للجهات وتعزيز المشاركة السياسية للساكنة. هذه الخطوات، يضيف التحليل، مهدت الطريق لتجسيد نموذج ديمقراطي محلي يعبّر عن الخصوصيات الثقافية والاجتماعية للأقاليم الجنوبية ضمن سيادة الدولة ووحدتها الترابية.
على المستوى الدولي، اعتبر التقرير أن القرار 2797 جاء تتويجًا لمسار طويل من التحول في مقاربة مجلس الأمن، الذي انتقل من التركيز على الاستفتاء إلى الإقرار بمقترح الحكم الذاتي كحل “واقعي وجدّي”. وهو ما يعكس اقتناعًا دوليًا متزايدًا بأن المقاربة المغربية تمثل الإطار الأكثر نجاعة واستدامة لتسوية النزاع، خاصة في ظل فشل الخيارات السابقة في تحقيق أي تقدم ملموس.
المقال التحليلي دعا إلى استثمار هذا الزخم الدبلوماسي عبر تعميق الإصلاحات الهيكلية في الأقاليم الجنوبية، وتعزيز استقلالية المجالس الجهوية، وتشجيع الاقتصاد المنتج والابتكار المحلي. كما أوصى بضرورة تحصين السيادة الاقتصادية، وتمكين الشباب والمرأة من المشاركة الفعلية في التنمية، وتوسيع التعاون الإفريقي لجعل الأقاليم الجنوبية قاطرة للاندماج القاري ومختبرًا متقدمًا للحكامة الرشيدة.
واختتم المركز تحليله بالتأكيد على أن الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية لم يعد مجرد مقترح سياسي، بل أصبح مشروعًا تنمويًا استراتيجيًا يعكس رؤية مغربية جديدة لمستقبل الصحراء. رؤية ترتكز على الوحدة الوطنية، والعدالة المجالية، والابتكار الرقمي، والانفتاح الإفريقي، بما يجعل من الأقاليم الجنوبية نموذجًا متفردًا في الاستقرار والتنمية، ونقطة ارتكاز لنهضة مغربية–إفريقية متكاملة.



