الجنرالات يطردون الدبلوماسية: عندما تصبح السفارات رهائن لعقدة العسكر

ليست هذه أزمة دبلوماسية، بل هي انهيار أخلاقي. ليست ردًا سياديا، بل رد فعل هستيري من نظام يتعامل مع الجريمة كأداة للسياسة، ومع السيادة كدرع لإخفاء اليد القذرة. ما حدث مع المعارض الجزائري المقيم في فرنسا، أمير بوحكّور، المعروف بـ”أمير دي زاد”، لم يكن سوء تقدير، بل عملية مُحكمة على الطريقة الكلاسيكية لأجهزة الظل: تتبُّع، اختطاف، إخفاء. وما إن بدأت الخيوط تتكشف، حتى قررت العدالة الفرنسية أن تطبّق القانون، ببساطة. وهذا ما لم تهضمه ثكنات الجزائر.
في عرف النظام الجزائري، الجريمة ليست فضيحة. الفضيحة هي أن يُقبض على الجاني. لا يهم إن تم خطف معارض على التراب الأوروبي، لا يهم إن تم استخدام جواز دبلوماسي كغطاء لمهمة قذرة. المهم ألا تُفضح العصابة.
طرد الدبلوماسيين ليس دفاعًا عن الكرامة الوطنية، بل انتقام من القانون. هو رسالة واضحة: “نحن فوق المساءلة، وإن تجرأتم، نُشعل النار.” لكنها نار الخوف، لا نار السيادة. إنها سياسة الرجل المُطوَّق، لا الرجل القوي.
وزير الخارجية الفرنسي، جان-نوال بارو، لم يتأخر في الرد. توعد بالتصعيد، وفتح الباب أمام موجة إجراءات مقابلة. وبارو يعلم أن التراجع الآن يعني فتح الباب أمام سابقة خطيرة: أن تتحول القنصليات إلى أوكار، والدبلوماسية إلى دروع بشرية لمجرمي الأنظمة.
المشكلة لا تكمن فقط في الواقعة. بل في النسق. نظام لا يحترم سيادة غيره، لا يعترف بحدود القانون، ويختزل العلاقات الدولية في قاعدة بسيطة: “إما التواطؤ… أو العداء.”
ما يحصل اليوم ليس خلافًا دبلوماسيًا بين دولتين. بل اختبار حقيقي للعالم المتحضر في مواجهة ممارسات أنظمة بوليسية تتخفى تحت رايات السيادة، لتخنق المعارضين وتراوغ العدالة.
لقد حان الوقت لطرح السؤال المؤجل: هل الجزائر، بهذا النظام، ما تزال شريكًا يمكن الوثوق به؟ وهل يمكن الاستمرار في سياسة “المجاملات مقابل الغاز” بينما يُختطف المعارضون، ويُطرد الدبلوماسيون، وتُهدد القوانين الدولية تحت عباءة الكبرياء الزائف؟
في قلب العاصفة، ليس على فرنسا فقط أن ترد. بل على العالم أن يعيد النظر: ليست كل السفارات بيوتًا للدبلوماسية. بعضها، كما يبدو، تحوّل إلى مخافر سرّية بربطات عنق.
والمشهد من الجزائر؟ صمت الجنرالات يصيح: لا صوت يعلو فوق صوت التهديد. حتى إشعار آخر.



