
في سياق اجتماعي واقتصادي متقلب، يتجه المغرب إلى تكريس الحماية الاجتماعية كأحد أبرز أعمدة النموذج التنموي الجديد. رئيس الحكومة، عزيز أخنوش، في مداخلته الأخيرة أمام مجلس المستشارين، قدم عرضاً تفصيلياً للإجراءات المتخذة لتوسيع نطاق الحماية الاجتماعية، مع التركيز على مفاهيم الحكامة، الاستهداف، وتجويد الخدمات. غير أن السؤال الجوهري الذي يطرح نفسه اليوم هو: هل ما يجري يمثل تحولا بنيوياً حقيقياً، أم مجرد معالجة تقنية لأعطاب قائمة؟
بين الرؤية والواقع
من الناحية الخطابية، تبنت الحكومة “رؤية مندمجة” للحماية الاجتماعية، وهو مصطلح يعكس طموحاً لتجاوز المقاربة المجزأة التي طبعت السياسات الاجتماعية لعقود. لكن المتمعن في الإجراءات التي استعرضها رئيس الحكومة سيلاحظ أن التركيز انصب على البعد التنظيمي والمؤسساتي، كإعادة هيكلة صندوق الضمان الاجتماعي، وتوسيع وكالاته، وتوظيف أطر جديدة، بالإضافة إلى إنشاء الوكالة الوطنية للدعم الاجتماعي.
هذه التدابير، رغم أهميتها، تظل في مجملها ذات طابع إداري ولوجستي. أما التحدي الحقيقي فيكمن في ما إذا كانت هذه الإصلاحات قادرة فعلاً على الوصول إلى الفئات الهشة وتحسين شروط عيشها على المدى المتوسط والبعيد، لا سيما في ظل اختلالات مجالية واقتصادية لا تزال ترخي بظلالها على المشهد الاجتماعي الوطني.
التحدي الأكبر: دقة الاستهداف وعدالة التوزيع
الحكومة تراهن على نظام استهداف جديد ودقيق، يمكن من توجيه الدعم مباشرة إلى مستحقيه، بعيداً عن منطق الريع أو العشوائية. لكن تجارب مماثلة في دول أخرى بيّنت أن دقة الاستهداف لوحدها لا تكفي لضمان العدالة الاجتماعية، ما لم ترفق بسياسات اقتصادية تعزز فرص الشغل وتكافؤ الفرص.
إضافة إلى ذلك، فإن نجاح هذا النموذج يرتبط بمدى حيادية الآليات التقنية واعتمادها على معطيات ميدانية حقيقية لا على لوائح إدارية قديمة أو بيانات غير مُحينة.
وكالة الدعم الاجتماعي: من يضمن الاستقلالية؟
إحداث الوكالة الوطنية للدعم الاجتماعي يُعد دون شك خطوة مؤسساتية إيجابية، خصوصاً إذا تمكنت من تجاوز البيروقراطية واشتغلت وفق منطق النتائج والأثر. غير أن تعيين أعضائها – وإن تم وفق مقتضيات القانون – يطرح مسألة الاستقلالية والفعالية. هل ستحظى هذه الهيئة بالحرية اللازمة للتدخل، أم ستكون مجرد امتداد تنفيذي لسياسات مركزية قد لا تواكب الواقع الجهوي المتنوع؟
السياسات الاجتماعية في سياق أوسع
لا يمكن فهم هذه الإصلاحات الاجتماعية بمعزل عن السياق الاقتصادي والسياسي العام. فالحكومة تواجه ضغوطاً متزايدة من الطبقات المتوسطة والفقيرة، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية. بالتالي، قد تكون هذه الإجراءات مدفوعة أيضاً برغبة في امتصاص الاحتقان الاجتماعي وضمان السلم المجتمعي.
لكن الخطورة تكمن في أن تتحول هذه المقاربات إلى حلول ظرفية تفتقر إلى العمق الاستراتيجي، خصوصاً إذا لم تواكبها إصلاحات في مجالات الصحة، التعليم، وسوق الشغل.
يمكن القول إن الحكومة أحرزت تقدماً ملموساً على مستوى إعداد الهياكل وتأهيل الأدوات التنفيذية للحماية الاجتماعية، لكن الرهان الحقيقي لا يزال معقوداً على قدرتها في تحقيق أثر اجتماعي ملموس لدى المواطن المغربي، وخصوصاً الفئات الهشة.
فنجاح أي سياسة اجتماعية لا يقاس بعدد الوكالات المفتوحة أو الحملات التواصلية، بل بمدى شعور المواطن بالكرامة والعدالة والإنصاف. وبين الخطاب والواقع، تبقى المسافة قابلة للردم… بشرط الإرادة السياسية، والمتابعة الصارمة، والمحاسبة الشفافة.
فاطمة الزهراء الجلاد.
Follow Us



