
في تحرك حقوقي لافت داخل أروقة الأمم المتحدة، قدّم المنتدى الكناري الصحراوي رسالة رسمية إلى المفوض السامي لحقوق الإنسان، فولكر تورك، اتهم فيها جبهة البوليساريو بارتكاب انتهاكات “جسيمة ومنهجية” ضد سكان مخيمات تندوف، جنوب غرب الجزائر. جاءت هذه الخطوة في سياق الدورة الـ59 لمجلس حقوق الإنسان، المنعقدة بجنيف من 16 يونيو إلى 11 يوليوز 2025.
الرسالة التي توصلت بها عدة هيئات أممية، من ضمنها المقرر الخاص المعني بالتعذيب ومجموعة العمل حول الاختفاءات القسرية، تضمّنت توثيقًا شاملاً لسلسلة من الانتهاكات التي تطال اللاجئين الصحراويين المحتجزين داخل المخيمات، وعلى رأسها الإعدامات خارج نطاق القانون، الاختفاءات القسرية، التعذيب الممنهج، العبودية الحديثة، والتمييز العنصري، في ظل غياب تام لأي آليات قضائية فعالة أو مساءلة حقيقية.
ومن بين الحالات البارزة التي تطرقت إليها الشكاية، تبرز قضية أحمد خليلي، المستشار السابق لحقوق الإنسان لدى البوليساريو، الذي اختُطف سنة 2009 في الجزائر العاصمة من طرف جهاز المخابرات الجزائرية، دون أن يُعرف له أثر منذ ذلك الحين. وكان مجلس حقوق الإنسان قد نظر في قضيته سنة 2020، منتقدًا غياب أي وسيلة انتصاف لعائلته أمام السلطات الجزائرية، مما يعكس تواطؤًا صامتًا على معاناة تمتد لأزيد من عقد من الزمن.
المنتدى الكناري الصحراوي لم يكتفِ بإدانة الانتهاكات الحقوقية، بل اتهم الجبهة بـ”الضلوع في أنشطة إرهابية” في منطقة الساحل، مستعرضًا حالة عدنان أبو الوليد الصحراوي، القيادي السابق في البوليساريو، الذي انشق ليؤسس جماعة مسلحة قبل أن ينضم إلى تنظيم داعش. كما أشار المنتدى إلى تورط مقاتلين سابقين بالجبهة ضمن صفوف تنظيمات متطرفة مثل القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي وحركة التوحيد والجهاد في غرب إفريقيا، وفق معطيات صادرة عن المركز الإفريقي للدراسات حول الإرهاب.
ومن القضايا التي أثارتها الشكاية أيضًا، ملف تحويل المساعدات الإنسانية الدولية، إذ اتهم المنتدى البوليساريو بعملية “اختلاس منهجي” للدعم الأوروبي، مشيرًا إلى أن أزيد من 105 ملايين يورو تم تخصيصها للمخيمات بين 1994 و2004، دون أن تصل إلى مستحقيها.
المنتدى طالب بتمكين المنظمات الدولية من “ولوج غير مشروط” إلى مخيمات تندوف من أجل إجراء تحقيقات مستقلة، إضافة إلى تنظيم عملية إحصاء شاملة تحت إشراف الأمم المتحدة، وإنشاء آلية دولية لتتبع توزيع المساعدات الإنسانية.
وفي ظل هذا التراكم المقلق للتقارير الحقوقية، تتزايد الدعوات داخل الأوساط الأممية والدولية لمساءلة البوليساريو والدولة الحاضنة، الجزائر، حول الوضع القانوني والإنساني لسكان المخيمات، الذين وجدوا أنفسهم بين مطرقة القمع وسندان العزلة. وبينما تصرّ الجبهة على الصمت، فإن صوت الضحايا بدأ يتردد صداه في جنيف، وقد تكون الرسالة الأخيرة بداية مرحلة جديدة من الضغط والمساءلة.



