جدل جديد حول تصريحات بنكيران بخصوص مستقبل الفتيات: بين دعوة للمصالحة مع الواقع الاجتماعي وانتقادات حقوقية لخطاب “رجعي”

أثارت تصريحات عبد الإله بنكيران، الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، خلال لقاء حزبي حديث، موجة من الجدل في الأوساط الحقوقية والسياسية، بعد أن تحدث عن مستقبل الفتيات وربطه بالزواج، في سياق حديثه عن التحديات الاجتماعية والتربوية التي تواجه الأسر المغربية.
التصريحات التي بدت، في ظاهرها، دعوة إلى إعادة الاعتبار لدور الأسرة ومؤسسة الزواج، فُسّرت من قبل تنسيقيات نسائية وحقوقية على أنها استخفاف بقيمة التعليم والعمل لدى الفتيات، ما جعل التنسيقية النسائية من أجل التغيير الشامل والعميق لمدونة الأسرة، التي تضم أزيد من 33 جمعية، تُصدر بلاغًا شديد اللهجة تندد فيه بما وصفته بـ”خطاب معادٍ لحقوق النساء” و”نظرة رجعية تضرب المكتسبات الدستورية والتشريعية في الصميم”.
لكن، ومن زاوية تحليلية موضوعية، لا يبدو أن التصريحات التي أطلقها بنكيران كانت ترمي بشكل مباشر إلى الحط من قيمة التحصيل العلمي أو نسف حق النساء في التعليم والعمل. فبنكيران، المعروف بمواقفه المثيرة للجدل وصراحته اللفظية، تحدث ضمن سياق عام عن أزمة القيم داخل المجتمع، وعن تراجع دور مؤسسة الأسرة كحاضنة للتنشئة الاجتماعية، مشدّدًا على أن “التوازن الأسري” يبقى مدخلاً أساسياً لبناء مجتمعات مستقرة، ولمّح إلى أن تقليص مؤسسة الزواج إلى خيار ثانوي قد تكون له آثار سلبية على البنية الاجتماعية ككل.
وفي هذا السياق، يرى بعض المتابعين أن ما قاله بنكيران يُفهم أكثر كدعوة لإعادة الاعتبار لبعض الأعمدة التقليدية في المجتمع المغربي، وليس إنكارًا صريحًا لحق الفتيات في التعليم أو العمل. بل إن هذا الخطاب يندرج، بحسب هؤلاء، ضمن جدل أوسع بين تيارين فكريين داخل المجتمع: أحدهما يدافع عن تحديث شامل وسريع للأعراف والقوانين بما يتماشى مع المساواة الكاملة، وآخر يُحذر من التفكك الاجتماعي نتيجة التغيير السريع وغير المتوازن في بعض الأسس الثقافية.
من جهة أخرى، لا يمكن إنكار أن طريقة تعبير بنكيران، وغلبة اللغة العاطفية المباشرة على خطابه، تفتح المجال للتأويلات الحادة، خاصة حينما يتعلق الأمر بقضايا حساسة مثل حقوق المرأة، وهو ما يجعل من الطبيعي أن تُثار ضده ردود فعل متشنجة من قبل الفاعلين الحقوقيين، خصوصًا في ظل النقاش الوطني المفتوح حول مراجعة مدونة الأسرة.
في المحصلة، يظهر أن الخلاف ليس فقط في مضمون الكلام، بل في خلفياته وسياقاته، وفي الطريقة التي تُقدّم بها الأفكار داخل فضاء عام متوتر بين مطالب الإصلاح وضرورات التوازن. وفي ظل هذا الجدل، تبقى الحاجة ملحّة إلى نقاش عقلاني وهادئ، يُعطي الأولوية للمصلحة المجتمعية ويُحسن الإصغاء المتبادل بين مختلف الفاعلين، من دون شيطنة ولا مزايدات.



