
أولويات ملكية لإقلاع متوازن في مواجهة تحديات الداخل وتقلبات الخارج
يأتي مشروع قانون المالية لسنة 2026، الذي وجه رئيس الحكومة عزيز أخنوش مذكرته التوجيهية إلى مختلف القطاعات الوزارية، في لحظة اقتصادية دقيقة، تجمع بين طموح الإقلاع الوطني وضغوط السياق العالمي المتقلب. المشروع يستند إلى أربع أولويات كبرى، بتوجيهات ملكية سامية، لكنه في الوقت نفسه يواجه تحديات موضوعية قد تحدد مدى نجاحه على أرض الواقع.
رهان الإقلاع الاقتصادي في بيئة عالمية غير مستقرة
يضع المشروع تعزيز إقلاع المملكة في الصدارة، من خلال تعبئة الاستثمار والإصلاحات وتطوير المهن العالمية للمغرب. غير أن تحقيق هذا الطموح يظل مرتبطا بعوامل خارجية، منها تقلبات أسعار الطاقة والغذاء، والتحولات في سلاسل الإمداد العالمية، إضافة إلى المنافسة الإقليمية المتزايدة في جذب الاستثمارات.
العدالة الاجتماعية والمجالية… بين الطموح والإمكانات
رغم أن المشروع يولي أهمية قصوى لتقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية، عبر النهوض بالتشغيل وتحسين الخدمات، فإن نجاح هذه الرؤية يظل رهينا بسرعة تنفيذ برامج التنمية الترابية، وفعالية التنسيق بين مختلف المستويات الإدارية. كما أن مواجهة التفاوتات الهيكلية في المناطق الهشة تتطلب استثمارات طويلة الأمد وتدبيرا أكثر مرونة للموارد.
الدولة الاجتماعية: من التعميم إلى الاستدامة
توسيع التغطية الاجتماعية وتعميم الدعم المباشر خطوات مهمة نحو ترسيخ الدولة الاجتماعية، لكن الاستدامة المالية لهذه البرامج ستكون محل اختبار في ظل الحاجة إلى الحفاظ على التوازنات الماكرو-اقتصادية. هنا يبرز التحدي المزدوج: حماية القدرة الشرائية دون إضعاف المالية العمومية.
الإصلاحات الهيكلية ورقمنة الإدارة… من النص إلى الممارسة
التحول الرقمي وتبسيط المساطر الإدارية يشكلان ركيزة أساسية لرفع جاذبية الاستثمار، لكن التجارب السابقة أظهرت أن بطء التنفيذ وضعف التنسيق بين الإدارات قد يفرغان هذه المبادرات من مضمونها. المطلوب هو تسريع وتيرة الرقمنة مع ضمان تكوين الموارد البشرية لمواكبة هذا التحول.
أرقام طموحة… وتحديات التنفيذ
استهداف نمو بنسبة 4,5%، وخفض عجز الميزانية إلى 3%، وضبط المديونية في حدود 65,8%، كلها مؤشرات تعكس طموحا كبيرا. غير أن هذه الأهداف تتطلب التزاما صارما بخطط التمويل، وضبط النفقات، وتحفيز القطاع الخاص على الاستثمار في قطاعات ذات قيمة مضافة عالية.
في المحصلة، يقدم مشروع قانون المالية لسنة 2026 رؤية شاملة تجمع بين الإقلاع الاقتصادي والعدالة الاجتماعية والإصلاح المؤسسي، لكن نجاح هذه الرؤية سيعتمد على قدرة حكومة أخنوش على تحويل التوجهات الملكية إلى سياسات عملية قابلة للتنفيذ، وسط بيئة اقتصادية عالمية ومحلية مليئة بالتحديات.
فاطمة الزهراء الجلاد.
Follow Us



