
لم يكن تصريح رئيس الوفد الياباني في الاجتماع التحضيري للمؤتمر الدولي لطوكيو حول التنمية بإفريقيا (تيكاد-9)، بشأن عدم الاعتراف بالكيان الانفصالي، مجرد توضيح بروتوكولي عابر، بل يعكس في العمق ثبات السياسة الخارجية اليابانية تجاه قضية الصحراء، ويكشف في الوقت ذاته عن توازن دقيق بين مقتضيات التعاون مع الاتحاد الإفريقي واحترام مبادئ القانون الدولي.
رسالة واضحة من طوكيو
خلال افتتاح الاجتماع، شدد المسؤول الياباني على أن وجود الكيان الانفصالي داخل قاعة “تيكاد” لا يغير من الموقف الرسمي لليابان، التي لم توجه له دعوة رسمية. هذا التوضيح يحمل دلالتين أساسيتين: الأولى، أن اليابان تتعامل بحزم مع مسألة الاعتراف الدولي ولا تنجر وراء محاولات فرض أمر واقع داخل مؤتمرات متعددة الأطراف. والثانية، أن مشاركة الكيان جاءت بضغط من الاتحاد الإفريقي الذي يصر على إشراك جميع أعضائه، وهو ما يضع الدول المنظمة أمام مواقف معقدة تتطلب وضوحًا دبلوماسيًا.
انسجام مع التصريحات الرسمية
الموقف الذي عبر عنه رئيس الوفد لم يكن منعزلاً عن السياق العام، بل جاء متناغماً مع تصريحات وزير الشؤون الخارجية الياباني، تاكيشي إيوايا، الذي جدد قبل أيام فقط، التأكيد على أن بلاده لا تعترف بما يسمى “الجمهورية الصحراوية”. وهذا الانسجام يبرز أن الأمر يتعلق برؤية استراتيجية راسخة لدى طوكيو، لا بموقف ظرفي أو مجاملة سياسية.
الأبعاد الدبلوماسية للموقف
اليابان، وهي قوة اقتصادية كبرى وفاعل رئيسي في التنمية الإفريقية، حريصة على أن تبقى شراكاتها مع القارة قائمة على الشرعية الدولية، بعيداً عن التجاذبات الانفصالية. ومن ثم فإن رسالتها تتجاوز مجرد “رفض الاعتراف” لتؤكد احترامها لممارسات الأمم المتحدة، التي لا تعترف هي الأخرى بالكيان الانفصالي. هذا يعزز صورة اليابان كفاعل دولي يتعامل بجدية مع قواعد القانون الدولي، ويمنح موقفها مصداقية أكبر أمام شركائها الأفارقة والدوليين.
قراءة في السياق الأوسع
تأتي هذه التوضيحات في وقت يعرف فيه ملف الصحراء المغربية دينامية متسارعة على الصعيد الدولي، حيث تتزايد الاعترافات بمغربية الصحراء، وتترسخ مبادرة الحكم الذاتي كحل واقعي وعملي. وفي ظل هذا المناخ، يمثل الموقف الياباني سنداً معنوياً ودبلوماسياً للمغرب، خصوصاً أن طوكيو تنظر بعين الاعتبار إلى الاستقرار الإقليمي كشرط أساسي لتعزيز التنمية والشراكات الاقتصادية.
الموقف الياباني في “تيكاد-9” لم يكن مجرد تصريح بروتوكولي، بل رسالة سياسية بليغة تعكس تمسك طوكيو بالشرعية الدولية، ورفضها الانجرار وراء محاولات فرض كيانات وهمية على الساحة الإفريقية والدولية. إنه موقف يكرس صورة اليابان كقوة مسؤولة في النظام الدولي، ويعزز في الوقت نفسه الجهود المغربية لتثبيت عدالة قضيته الوطنية في مختلف المحافل الدولية.
فاطمة الزهراء الجلاد.
Follow Us



