اقتصاد
الاستثمار بين الطموح والواقع… المغرب يعيد رسم خريطته الاقتصادية

أصدر المركز الاستشراف الاقتصادي والاجتماعي، تحت إشراف رئيسه والمحلل الاقتصادي علي الغنبوري، عدده الجديد لسنة 2025 تحت عنوان:”الاستثمار: التوجهات، النتائج والتحولات”، وهو عمل بحثي يرصد بعمق مسار الاستثمار بالمغرب، ويحلل مردوديته وإشكالاته البنيوية، كما يستشرف ملامح السياسة الاستثمارية في ضوء التحولات الجارية.
الاستثمار ركيزة تنموية بفاعلية محدودة
يشير العدد الذي توصلت جريدة le7tv بنسخة منه، إلى أن المغرب اعتمد منذ الاستقلال على الاستثمار العمومي كأداة رئيسية للتنمية، إذ خصص لعقود حوالي 30% من ناتجه الداخلي الخام لهذا الغرض. ورغم أهمية هذا الجهد المالي، إلا أن نتائجه النوعية ظلت محدودة، حيث لم يتجاوز معدل مردودية الاستثمار 6% مقابل 10 إلى 12% في اقتصادات صاعدة مشابهة. وهو ما جعل العلاقة بين الاستثمار والتنمية تبدو “متقطعة” وذات أثر اجتماعي ضعيف، خاصة في ما يتعلق بخلق فرص الشغل والحد من الفوارق المجالية.
دينامية استثمارية غير متوازنة
استعرض التقرير تطور الاستثمارات خلال العقدين الأخيرين، حيث ارتفع حجمها ليصل سنة 2024 إلى أكثر من 410 مليار درهم، لكن مع استمرار هيمنة الدولة بنسبة 75% من هذا المجهود، مقابل 25% فقط للقطاع الخاص. كما بين أن الاستثمارات الأجنبية المباشرة، التي بلغت 23 مليار درهم، تظل دون الطموحات، ولا تمثل سوى 0,4% من التدفقات العالمية نحو الأسواق الناشئة.
وعلى مستوى القطاعات، برزت صناعة السيارات والطيران في الصدارة، إلى جانب مشاريع الطاقات المتجددة، فيما ظل الأثر الاجتماعي محدوداً، إذ تبلغ كلفة خلق منصب شغل قار أزيد من 500 ألف درهم، مع استمرار البطالة المرتفعة، خصوصاً بين الشباب.
إشكالات بنيوية تعيق الاستثمار
يخصص العدد حيزاً مهماً لتشخيص العراقيل التي تقف أمام نجاعة الاستثمار، من بينها:
– تعقيد المساطر القانونية والإدارية، وضعف أداء المراكز الجهوية للاستثمار.
– بطء القضاء في معالجة النزاعات التجارية والعقارية.
– التفاوت الجهوي في البنيات التحتية والمناطق الصناعية.
– صعوبة الولوج إلى التمويل بالنسبة للمقاولات الصغرى والمتوسطة.
– هشاشة منظومة رأس المال المخاطر والتمويل البديل.
ميثاق الاستثمار الجديد…تحول في الرؤية
يتوقف التقرير عند ميثاق الاستثمار الجديد لسنة 2023، باعتباره نقطة تحول محورية تهدف إلى قلب المعادلة التقليدية، من خلال توجيه ثلثي الاستثمارات إلى القطاع الخاص، مقابل ثلث واحد للدولة، مع اعتماد نظام متكامل من الحوافز المالية والجبائية. ويطمح الميثاق إلى تعبئة 550 مليار درهم بحلول 2026، وخلق 500 ألف منصب شغل، مع تعزيز الجاذبية المجالية وتشجيع المقاولات المواطنة والمبتكرة.
توصيات استراتيجية
خلص العدد إلى مجموعة من التوصيات أبرزها:
– إرساء استقرار ضريبي وقانوني يعزز ثقة المستثمرين.
– تبسيط وتوحيد المساطر الإدارية عبر منصة وطنية موحدة.
– تحفيز الاستثمار في المناطق المهمشة وربطه بمخططات التنمية الجهوية.
– دعم المقاولات الصغرى والمتوسطة وتوسيع منظومة التمويل البديل.
– ربط الاستثمار بالبحث العلمي والابتكار لضمان قيمة مضافة وطنية.
– اعتماد تقييم صارم لمردودية الاستثمار بناءً على الأثر التنموي والاجتماعي.
رؤية للمستقبل
يؤكد مركز الاستشراف الاقتصادي والاجتماعي، أن المغرب يقف اليوم أمام فرصة تاريخية لإعادة بناء علاقته بالاستثمار، عبر ميثاق جديد يضع القطاع الخاص في قلب الدينامية الاقتصادية، ويجعل الدولة محفزاً ومنظماً أكثر من كونها مستثمراً أولياً. نجاح هذه التحولات، يضيف التقرير، يظل مرهوناً بقدرة المؤسسات على إرساء الثقة، وضمان العدالة المجالية، وربط الاستثمار بتحقيق التنمية المستدامة والشاملة.
فاطمة الزهراء الجلاد.
Follow Us



