سياسة
مشروع قانون المسطرة الجنائية يصادق عليه في غياب شبه تام للنواب: أزمة حضور أم أزمة ثقة؟

في جلسة تشريعية وصفت بـ”المثيرة للجدل”، صادق مجلس النواب، يوم الثلاثاء، على مشروع قانون المسطرة الجنائية رقم 03.23 في قراءة ثانية، وسط غياب غير مسبوق لـ333 نائباً من أصل 395، ما أعاد إلى الواجهة النقاش القديم-الجديد حول أزمة الحضور البرلماني، وجدوى المؤسسة التشريعية في أعين المواطنين، خاصة عندما يتعلق الأمر بنصوص تمس الحقوق والحريات.
الجلسة التي لم يحضرها سوى 62 نائباً، صوت خلالها 47 نائباً لفائدة المشروع، مقابل معارضة 15 آخرين، في وقت يصنف فيه القانون المعني ضمن أبرز مشاريع الإصلاح المرتبطة بتحديث العدالة الجنائية في البلاد. ورغم أهمية مضامينه، طغى على النقاش غياب النواب أكثر مما طغت مناقشة محتواه.
مؤسسة غائبة عن الوعي الجماعي
المحلل السياسي محمد شقير، وفي تصريح له لجريدة “le 7 TV”، اعتبر أن هذا الغياب الكثيف يكشف عن “هشاشة الالتزام النيابي”، ويعزز مشاعر “الريبة واللامعنى” لدى فئة واسعة من المواطنين، خاصة الشباب، الذين باتوا ينظرون إلى البرلمان كمؤسسة رمزية لا تواكب تطلعاتهم ولا تعكس انشغالاتهم.
وأكد شقير أن “تكرار هذه الغيابات في محطات تشريعية حاسمة يوجه رسائل سلبية للرأي العام، ويغذي عزوف الشباب عن السياسة، ويجعل من البرلمان مرآة مشوشة لا تحفز على الانخراط المدني، بل تعمق الإحساس بالهامشية”.
وأضاف أن الصورة العامة التي تنقل عبر الإعلام، وتقتصر على بث الجلسات العامة، تخفي جزءاً كبيراً من العمل البرلماني الذي يتم في اللجان، حيث تناقش التفاصيل ويصاغ التشريع. “لكن ما دام المواطن لا يرى هذه الجهود، فإنه يكون انطباعاً بأن المؤسسة لا تعمل”.
أزمة وعي سياسي متبادل
غير أن المسؤولية، حسب محمد شقير، لا تقع على النواب وحدهم، بل تتقاسمها فئات واسعة من المواطنين الذين يفتقرون، وفق تعبيره، إلى الحد الأدنى من التكوين السياسي والمدني، مما يجعلهم يصدرون “أحكاماً متسرعة” دون إدراك حقيقي لطبيعة عمل المؤسسة التشريعية.
وأوضح المحلل السياسي، “المواطن لا يمتلك أحياناً الأدوات اللازمة لفهم الدينامية السياسية، وفي المقابل، البرلمان يتهمه بعدم الاهتمام، فينشأ نوع من القطيعة الخطيرة بين الطرفين، تدخلنا في دوامة تبادل الاتهامات”، مشدداً على ضرورة تكوين سياسي حقيقي منذ المدرسة.
كما أشار إلى أن غياب معايير علمية صارمة في اختيار المرشحين للبرلمان، وغياب شرط التكوين الأكاديمي أو القانوني، يفتح الباب أمام تمثيلية شكلية، حيث “يرى بعض النواب أن الحضور لا يغير شيئاً، ويتعاملون مع الجلسات كواجب شكلي لا مضمون له”.
البرلمان بين التوجيه والمصادقة
وفي تشخيصه لوظيفة البرلمان داخل النظام السياسي المغربي، قال شقير إن المؤسسة التشريعية لا تمارس سلطة تشريعية مستقلة بشكل كامل، بل تتابع التوجيهات الكبرى الصادرة عن المؤسسة الملكية، التي “تحدد التوجهات العامة وتدشن الدورات البرلمانية، فيما يقتصر دور البرلمان على المصادقة والتنفيذ”.
واستدل المحلل السياسي بحالة مدونة الأسرة، حيث حدد الملك معالم الإصلاح المنتظر، بينما أسند للحكومة والبرلمان دور الترجمة التشريعية، معتبراً أن هذا النموذج يعكس بوضوح طبيعة توزيع السلطات في البلاد.
ترسانة قانونية رغم الانتقادات
ورغم الانتقادات التي وجهت للأداء النيابي، نوه شقير بتمكن البرلمان الحالي، مدعوماً بالأغلبية الحكومية، من تمرير عدد من النصوص القانونية الهامة، على رأسها قانون الإضراب، ومشروعا قانوني المسطرة الجنائية والمدنية، بالإضافة إلى المصادقة على مدونة العقوبات البديلة.
وأشار إلى أن هذه الترسانة تعد جزءاً من عملية تحديث المنظومة القانونية، لكنها لا تُعفي البرلمان من ضرورة تحسين صورته وتقوية تواصله مع المواطنين.
استعادة الثقة: مسؤولية جماعية
شدد محمد شقير على أن استعادة مصداقية المؤسسة التشريعية يمر عبر “تفعيل صارم لآليات محاسبة المتغيبين، وإصلاح مساطر الترشح، والانفتاح الإعلامي على جميع مراحل العمل التشريعي، بدل الاكتفاء بلقطات التصويت النهائي”.
واعتبر أن السياسة، في عمقها، تتعلق ببناء صور ذهنية في الوعي العام، مؤكداً أن استمرار صورة “برلمان الغياب” و”التشريع الصوري” يُفقد المؤسسة التشريعية ما تبقى من هيبتها، ويؤجل فرص المصالحة مع المواطنين.
مشروع قانون المسطرة الجنائية مر، لكن “بشق الأنفاس المؤسساتي”، في غياب شبه جماعي لنواب الأمة. مشهد يلخص أزمة أكبر من مجرد جلسة فارغة، إنها أزمة ثقة، ووعي، ومؤسسة، تستدعي إصلاحاً سياسياً وإعلامياً وتواصلياً، يتجاوز مجرد المصادقة على النصوص نحو إعادة بناء العلاقة بين المواطن والتمثيلية.
فاطمة الزهراء الجلاد.
Follow Us



