خواطر من مهرجان بغداد السينمائي

بقلم: أ.د. السهلي بلقاسم
في حضرة بغداد، حيث للكلمة قدسيتها، يتردد صدى الشعر بين أروقة المتنبي، وتستعيد الروح سكونها الأول قبل أن تُخلق الحروف. هناك، حيث يُحتفى بالصمت بوصفه أصلاً، وحيث تتعانق الذاكرة مع البيداء، تعود أبيات المتنبي لتضيء وجدان المهرجان:
أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي…
وأسمعت كلماتي من به صممُ
في شوارع بغداد الثقافية، لا يقتصر الاحتفال على السينما وحدها، بل يتسع ليشمل كل ما هو إبداع. فقد جمعتني الأيام بمجموعة من الفنانين والصحفيين والأدباء، من بينهم الإعلامي حسن عبد الحميد، صاحب برنامج الثقافة في الصحافة على شاشة تلفزيون بغداد الثقافي، الذي اشتغلت معه مساعداً في الإخراج تحت إدارة الراحل الكبير فيصل الياسري. كما التقيت بالناقد الصحفي علي عبد الأمير، أحد قيدومي الصحافة الثقافية العراقية، إلى جانب وجوه أخرى من المبدعين والموسيقيين. كانت تلك اللقاءات أشبه بمحطات ضوء وسط ذاكرة مثقلة بالحنين.
ومن قلب مهرجان بغداد السينمائي، لم يكن بالإمكان أن يمر الحديث دون التوقف عند شارع الرشيد، الشارع الذي اختزل تاريخ المدينة وصراعاتها وأحلامها.
إنه شارع الأحداث السياسية والانقلابات، وبيانات الأيديولوجيات التي تساقط رمادها على الأرصفة المشبعة بالدم والرصاص. وفي الوقت نفسه هو شارع الموسيقى والمقاهي العتيقة: مقهى الزهاوي ومقهى الشاه بندر، ومقاهي أم كلثوم التي غنّت فيها كوكب الشرق قصائد أحمد رامي.
هو شارع العصائر والمرطبات، حيث ما زال “شربت زبيب الحاج زبالة” علامة فارقة في ذاكرة الذائقة البغدادية. وهو أيضاً شارع السينما والمسرح والشناشيل، شارع السلطانة زبيدة ومولاها هارون الرشيد.
شارع الرشيد اليوم يشهد، بإرادة سياسية، عمليات صيانة وإعادة تعمير، باعتباره الشارع الأشهر في بغداد العباسية. وكما أن للصورة بعداً طولياً وعرضياً وعمقاً، فإن لهذا الشارع بعداً ثالثاً في المشهد السينمائي، وبعداً رابعاً يفتح باب التأويل وقراءات متعددة تنبثق من مرجعيات مختلفة.
لكن السينما المغربية، التي شاركت بأربعة أفلام في المهرجان، بدت مترددة أمام قوة الحضور المشرقي. لجان التحكيم الثلاث، الخاصة بالأفلام الروائية والقصيرة والوثائقية، مرّت مرور الكرام على المشاركات المغربية، من دون إشارة أو تقدير. ليس ظلماً تحكيمياً، بل اعترافاً بضعف إبداعي صارخ قياساً بتجارب عربية أخرى، كفيلم أناشيد آدم للمخرج عدي رشيد، الفائز بالجائزة الكبرى.
لقد انشغلنا طويلاً في المغرب بجلدٍ منفوخ اسمه كرة القدم، وأهملنا الصورة الحية، السينما، تلك الذاكرة البصرية التي تحفظ تاريخ الشعوب. وهنا يطرح السؤال نفسه: متى نعيد الاعتبار للفن السابع؟ عتاب موجه إلى السيد الوزير بن سعيد، وإلى الزميل رضى بن جلول، المدير الجديد للمركز السينمائي المغربي.
هذا الموقف أعاد إلى ذهني لحظة أخرى في التسعينيات، حين عرضت مسرحية مغربية في بغداد دون المستوى المطلوب. يومها وقف المسرحي العملاق يوسف العاني شامخاً، وقال بملء فمه: “هذا العمل لا يمثل المسرح المغربي”. كانت كلماته درساً قاسياً لكنه صادق، يعكس صرامة بغداد حين يتعلق الأمر بالفن والإبداع.
أما الوجه الآخر للمهرجان، فقد تجسد في شخصية الدكتور حكمت البيضاني، الذي لُقِّب بين أصدقائه بـ”الباشا”. رجل جمع بين الدفء والتواضع، وبين الحزم والقدرة على التدبير. كنا نجلس معه بعد انتهاء مهامه اليومية كمدير للمهرجان، فنصغي إلى طرائفه وحكاياته، قبل أن يقف فجأة لمعالجة طارئ جديد أو متابعة ملف مستعجل.
كان البيضاني، مخرجاً ومبدعاً منذ التسعينيات، يفيض حماساً وهو يتحدث عن نجاح المهرجان، مؤكداً أن بغداد في طريقها لاستعادة بريقها الفني، وأن السينما قادرة على أن تكون لغة للتعبير عن الفرح والألم والأمل معاً.
مهرجان بغداد السينمائي لم يكن مجرد تظاهرة فنية، بل كان مناسبة للتأمل في معنى الكلمة والصورة، في حضور المتنبي وصدى المسرح والسينما، وفي ذاكرة مدينة ما زالت تصر على الحياة رغم كل التحديات.



