كلمة السيد الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض، رئيس النيابة العامة بمناسبة افتتاح اليومين الدراسيين المنظمين من طرف رئاسة النيابة العامة بشراكة مع المجلس الأعلى للسلطة القضائية و وزارة الاقتصاد و المالية – المفتشية العامة للمالية- والمجلس الأعلى للحسابات. تحت عنوان: ” تعزيز آليات الرقابة الإدارية والقضائية لتدبير الأموال العمومية، دعامة أساسية لرفع الثقة في المرفق العمومية وتخليق الحياة العامة.”

السيد الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض، رئيس النيابة العامة
بمناسبة افتتاح اليومين الدراسيين المنظمين من طرف رئاسة النيابة العامة
بشراكة مع المجلس الأعلى للسلطة القضائية
و وزارة الاقتصاد و المالية – المفتشية العامة للمالية-
والمجلس الأعلى للحسابات.
تحت عنوان:
” تعزيز آليات الرقابة الإدارية والقضائية لتدبير الأموال العمومية،
دعامة أساسية لرفع الثقة في المرفق العمومية وتخليق الحياة العامة.”
يومي 22 و23 أكتوبر 2025 بفندق palace Amphitrite – الصخيرات –
بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على سيد المرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين
السيد الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية؛
السيدة الرئيس الأول للمجلس الأعلى للحسابات؛
السيد رئيس الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها؛
السيد وسيط المملكة؛
السيد الوكيل القضائي للمملكة؛
السادة المفتشون العامون لدى الوزارات؛
السادة المسؤولون القضائيون؛
السيد رئيس جمعية هيئات المحامين؛
السيد نقيب هيئة المحامين بالرباط؛
السادة ضباط الشرطة القضائية؛
حضرات السيدات والسادة الحضور الكريم كل باسمه وصفته والاحترام والتقدير الواجب لشخصه.
يشرفني أن أرحب بكم جميعا في افتتاح أشغال هذين اليومين الدراسيين اللذين تنظمهما رئاسة النيابة العامة بشراكة مع المجلس الأعلى للسلطة القضائية والمجلس الأعلى للحسابات والمفتشية العامة للمالية، والذي يجسد المبدأ الدستوري القائم على التعاون والتنسيق بين مؤسسات الدولة.
هذه الأيام الدراسية التي تتناول موضوعا ذو راهنية كبرى بالنظر لارتباطه بتعزيز آليات الرقابة القضائية والإدارية لتدبير الأموال العمومية باعتبارهما دعامة أساسية لتكريس حكامة تدبير المرفق العمومي وحماية المال العام.
وينعقد هذا اللقاء العلمي المتميز في سياق وطني ودولي يتسم بدينامية متسارعة تستوجب ترسيخ مبادئ الحكامة الجيدة وشفافية التدبير، ومحاربة كافة أشكال الاختلالات التي قد تمس بالمال العام باعتباره أحد المداخل الأساسية لتحقيق التنمية المستدامة بمختلف أشكالها وتكريس العدالة الاجتماعية، ومن هذا المنطلق فإن تقوية آليات الرقابة القضائية والإدارية في مجال تدبير الأموال العمومية يبقى دعامة أساسية لتخليق الحياة العامة وتقوية الحكامة المؤسساتية.
هذه الأيام الدراسية التي التئم لجمعها ثلة من القضاة والخبراء وممثلو مؤسسات الرقابة والحكامة، من أجل تدارس ومناقشة سبل تفعيل وتحسين آليات الرقابة على تدبير الأموال العمومية بهدف تعزيز قيم الشفافية والنزاهة وتقوية آليات حماية المال العام كما سينكب المشاركون على مدى يومين على مناقشة مجموعة من المواضيع المرتبطة بمراقبة المال العام من عدة زوايا، بدءا من استحضار المرجعيات والمعايير الدولية والوطنية المرتبطة بمفهوم المال العام والحدود الفاصلة بين المسؤولية التأديبية والمسؤولية الجنائية مروراً بآليات الرقابة الإدارية وتقنيات مراقبة تدبير النفقات العمومية ودور القضاء في حماية المال العام وانتهاءً باستعراض آليات استرجاع المال العام.
حضرات السيدات والسادة؛
لا يخفى على حضراتكم أن بلادنا بَذَلَتْ مجهودات جبارة في مجال مكافحة الفساد وتخليق الحياة العامة تجسدت من خلال مجموعة من المبادرات من بينها الانضمام لاتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد وما أعقب ذلك من تدابير و إجراءات، من أهمها الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد والتي تعتمد على مجموعة من المرتكزات والأهداف، بالإضافة إلى إحداث أقسام للجرائم المالية، وإحداث فرق للشرطة القضائية متخصصة في هذا النوع من الجرائم وإصدار قانون حماية الشهود والمبلغين والضحايا والخبراء، وتعديل قانون مكافحة غسل الأموال وغيرها من الإجراءات والتدابير التي تؤكد على أن موضوع تخليق الحياة العامة ومكافحة الفساد من المواضيع الثابتة في السياسات العمومية والسياسة الجنائية ببلادنا على حد سواء.
و في هذا السياق لابد من التأكيد على أن تحقيق الغايات المرجوة من السياسات الوطنية الرامية إلى حماية المال العام ، تقتضي مقاربة الموضوع من زوايا متعددة ترتكز على تدابير استباقية تتوخى تقوية الجانب الوقائي وأخرى للزجر دون إغفال الجوانب ذات الصلة بالحكامة والتكوين والتوعية والتحسيس، فتعزيز الثقة في المرفق العمومي لا يمكن أن تُبْنَى إلا من خلال التدبير المسؤول للمال العام في إطار ربط المسؤولية بالمحاسبة وتَفْعِيلِ آلياتٍ رقابيةٍ فعالةٍ سواء كانت إدارية أو قضائية قادرة على كشف الإخلالات و معالجتها في الوقت المناسب ، كما أن تخليق الحياة العامة لا يعتبر مهمة تقتصر فقط على جهاز أو مؤسسة بعينها ، بقدر ما هو رهين بتظافر جميع الفاعلين من سلطات إنفاذ القانون وهيئات الرقابة و المجتمع المدني وذلك انسجاما مع التوجيهات الملكية السامية التي ما فتئت تؤكد على ذلك، وفي هذا السياق نستحضر الخطاب الملكي السامي لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده بمناسبة ذكرى عيد العرش المجيد بتاريخ 30 يوليو 2016 والذي جاء فيه ما يلي :
” فمحاربة الفساد هي قضية الـدولة والمجتمع، الدولة بـمؤسساتها، من خلال تفعـيل الآليات القانونية لمحاربـة هـذه الـظاهـرة الخطيرة، وتـجريـم كل مظاهرها للضرب بـقـوة على أيـدي الـمفـسدين والمجتمع بكل مكوناته” انتهى النطق الملكي السامي.
حضرات السيدات والسادة؛
إن مكافحة الفساد ليست عملية ظرفية مرتبطة بتنزيل خطة عمل أو بإجراء إصلاح معين
أو بتنفيذ توصيات محددة، بل هي بناء مستدام يقتضي تطوير آليات الرقابة بشكل مستمر، على النحو الذي يوفر آليات استباقية لمواجهة المخاطر التي قد تستهدف المال العام باعتباره أساسا للتنمية الاقتصادية و الاجتماعية، ولذلك فإن حماية المال العام تقع على عاتق الجميع، مما يتطلب نهج مقاربة تشاركية تنبني على التنسيق و التعاون بين كافة المتدخلين المعنيين بحمايته.
وإيمانا مِنّا بكون تخليق الحياة العامة يُعد من بين أهم المداخل الأساسية لتكريس الحكامة الجيدة وتجسيد دولة الحق والقانون، فقد جعلت رئاسة النيابة العامة من حماية المال العام والتصدي لجرائم الفساد المالي أحد أهم الأولويات الثابتة في السياسة الجنائية التي تسهر هذه الأخيرة على تنفيذها وهو ما يجسده عدد الدوريات الموجهة للنيابات العامة بهذا الخصوص وكذا حرص النيابات العامة لدى محاكم المملكة على التصدي لمختلف أشكال الجرائم المالية والتعامل مع الشكايات والتبليغات والتقارير الصادرة عن هيآت الرقابة بالجدية اللازمة وفتح الأبحاث وتحريك المتابعات القضائية بشأنها فضلا عن تفعيل أحكام القانون المتعلق بحماية الشهود والمبلغين والضحايا والخبراء.
وفي هذا الإطار، ساهم الخط المباشر المحدث على صعيد رئاسة النيابة العامة باعتباره آلية مفتوحة للعموم من أجل التبليغ عما قد يتعرضون له من ابتزاز، في تحقيق نتائج جيدة في مجال تخليق الحياة العامة تمثلت في ضبط 407 شخص في حالة تلبس، كما توصلت رئاسة النيابة العامة من المجلس الأعلى للحسابات خلال سنتي 2024-2025 بما مجموعه 22 تقريرا تمت إحالتها على النيابات العامة تم اتخاذ المتعين بشأنها.
وإستحضارا من رئاسة النيابة العامة بأن التعاون والتنسيق مع مختلف الجهات المعنية بحماية المال يشكل أحد المداخل الأساسية لتوطيد مبادئ النزاهة والشفافية في تدبير المال العام، فقد أبرمت عدة اتفاقيات للشراكة والتعاون مع مؤسسات وهيآت وطنية مختلفة نتج عنها تحقيق نتائج جد مشجعة، في مقدمتها إتفاقية الشراكة الموقعة بينها وبين المجلس الأعلى للسلطة القضائية، والمجلس الأعلى للحسابات، وهي اتفاقية مكنت من الإرتقاء بمستوى التعاون والتكامل المؤسساتي في مجال مكافحة الفساد وتخليق الحياة العامة.
حضرات السيدات والسادة؛
إن رئاسة النيابة العامة إذ تؤكد إلتزامها بالاضطلاع بالأدوار المنوطة بها بمقتضى القانون من أجل تعزيز قيم النزاهة والشفافية وحماية المال العام، عبر التفعيل الأمثل للوسائل القانونية والزجرية والتفاعل بالجدية اللازمة مع كل الاختلالات التي قد تمس بتدبير المال العام، فإنها بالمقابل تؤكد على أهمية تفعيل آليات الرقابة الاستباقية بكل أشكالها والتي يمكن أن تضطلع بها هيئات التفتيش والرقابة على تدبير المال العام.
كما أود أن أؤكد في هذا الإطار أيضا على أن رئاسة النيابة العامة واعية بضرورة تأهيل قضاتها وتعزيز قدراتهم المهنية ليكونوا قادرين على التصدي لكل مظاهر الفساد المالي التي باتت تتخذ تمظهرات أكثر تعقيدا، وفي هذا الإطار وضعت رئاسة النيابة العامة بتنسيق مع المجلس الأعلى للسلطة القضائية برنامجا لتقوية المهارات المهنية للقضاة العاملين في أقسام الجرائم المالية وكذا ضباط الشرطة القضائية المعنيين بهذا النوع من القضايا، ويتضمن هذا البرنامج سلسلة من الدورات التكوينية التي ستنطلق أولى دوارتها في نهاية الشهر الجاري، سيقوم بتأطيرها خبراء من مختلف مؤسسات الدولة، وبهذه المناسبة أود أن أشكر مقدما جميع من سيساهم في تأطير هذه الدورات التكوينية.
حضرات السيدات والسادة؛
ختاما لا يسعني في نهاية هذه الكلمة إلا أن أجدد شكري لجميع الحضور وكل القائمين على إنجاح هذين اليومين الدراسيين والشكر موصول أيضا للسادة الخبراء ممثلي القطاعات والمؤسسات المشاركة على تفضلهم بتأطير العروض والمداخلات التي ستنكب على تدارس مواضيع جد هامة نتمنى أن تخرج بأفكار وتوصيات قادرة على تقوية آليات الرقابة المؤسساتية في مجال تدبير المال العام وتقوية آليات التنسيق بين الهيئات والمؤسسات من أجل تعزيز قيم النزاهة والشفافية.
آملا أن نسعى جميعا إلى تحقيق ما نصبوا إليه في ظل القيادة الرشيدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده.
والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.



