ثقافة وفنون

قراءة في كتاب : ” فن التدريس” لمؤلفته “ناتالي أنطون

بقلم: مزوز عادل أستاذ مادة الفلسفة وباحث تربوي.
“الأستاذ الناجح هو الأستاذ الممثل.”

ليس التدريس، كما قد يتبادر إلى الذهن، مجرد مهنة تُمارس داخل جدران الفصل، ولا هو تقنية تُختزل في طرائق ووسائل بيداغوجية قابلة للتعلم والتكرار. إنّه، في جوهره الأعمق، تجربة إنسانية معقدة، يتداخل فيها العقلي بالوجداني، والسلطة بالمسؤولية، والمعرفة بالوجود. ومن هنا، يكتسب كتاب «فن التدريس» دلالته الفلسفية، لا بوصفه دليلًا عمليًا فحسب، بل باعتباره أفقًا للتفكير في معنى أن يكون الإنسان معلّمًا.
إن أول ما يستوقفنا في هذا التصور هو تلك المفارقة التي يقوم عليها الفعل التربوي: فالمعلم مدعوّ إلى أن يجمع بين ما لا يُجمع؛ بين صرامة العقل ودفء القلب، بين الانضباط والإغراء، بين نقل المعرفة وبناء الإنسان. وهي مفارقة لا يمكن حلّها عبر القواعد، بل عبر نوع من الحسّ الفني الذي يجعل من التدريس ضربًا من الإبداع اليومي. فليست الكفاءة وحدها كافية، ما لم تسندها قدرة على استمالة المتعلم، وعلى تحويل المعرفة من موضوع خارجي إلى تجربة داخلية حيّة.
ولعل هذا ما تنبّه إليه جان جاك روسو حين جعل من التربية فعلًا طبيعيًا يراعي نمو الطفل لا قهره، وما عمّقه لاحقًا باولو فريري حين انتقد “التعليم البنكي” الذي يحوّل المتعلم إلى وعاء فارغ. فالتدريس، في ضوء هذا، ليس ملأً للفراغ، بل إيقاظٌ للامتلاء الكامن.
غير أن الوجه الآخر لهذا الفعل يكشف عن توتر خفي، يكاد يقترب مما وصفه سيغموند فرويد حين أشار إلى أن التربية من “المهن المستحيلة”. ذلك أن المعلم، وهو يسعى إلى تحرير المتعلم، يجد نفسه – على نحو paradox – مطالبًا بممارسة سلطة عليه. وهنا تتولد جدلية دقيقة: كيف يمكن للمعلم أن يقود دون أن يقمع؟ وأن يوجّه دون أن يصادر؟
إن هذا التوتر لا يختزل في البعد الظاهر من العملية التعليمية، بل يمتد إلى أعماقها النفسية. فالمعلم لا يواجه تلاميذه فقط، بل يواجه ذاته أيضًا؛ يواجه الطفل الذي كانه يومًا، والرغبات التي يسعى إلى تهذيبها. ومن ثم، فإن التدريس يتحول إلى نوع من “التمثيل الواعي”، حيث يُخفي المعلم صراعاته الداخلية خلف قناع من الاتزان والتعاطف. وليس في هذا خداع، بل هو شرط من شروط الفعل التربوي ذاته.
على أن اختزال التدريس في بعده التقني يظل قاصرًا عن إدراك حقيقته. فمهما بلغت دقة التخطيط، ومهما تنوعت الوسائل، فإن العملية التعليمية تظل رهينة بعنصر لا يمكن ضبطه بالكامل: العلاقة الإنسانية. إنها تلك اللحظة الهشة التي يلتقي فيها عقل بعقل، وقلب بقلب، فينشأ شيء يتجاوز الطرفين معًا.

من هنا، يغدو التدريس فعلًا تحرريًا بقدر ما هو فعل توجيهي. فهو لا يهدف إلى إنتاج نسخ مكررة، بل إلى تمكين المتعلم من أن يصير ذاته. وفي هذا المعنى، يكون المعلم الحقيقي هو ذاك الذي يعمل، paradox، على الاستغناء عنه؛ أي الذي ينجح في أن يجعل حضوره غير ضروري في نهاية المطاف.

إن فن التدريس، بهذا المعنى، ليس كتابًا في الطرائق، بل في المصير. إنه يضعنا أمام سؤال جوهري: هل نعلّم من أجل المعرفة، أم من أجل الإنسان؟ والجواب، في تقديرنا، أن المعرفة لا تكون ذات معنى إلا بقدر ما تسهم في بناء الإنسان الحر، القادر على التفكير، وعلى مساءلة ما يتلقاه.
الممثل عواطفه من وجب وحقد الإستراتيجية تربوية ولذلك تجده إزاء وضعية شعب يحافظ على برودة دمه ويتوفق في السيادة على أعصابه عكس المدرس العلوي، و الصادق. صحيح أن المدرس يظل إنسانا من لحم ودم وبقدرات سيكولوجية محدودة، لكنه على وعي نام بما يفعل التمثيل لعبة، وأهم منها، وعي باللعبة.
حول تكوين المدرس الممثل
يتطلب تكوين المدرس الممثل الوعي بمعطيات موضوعية هي المدرس والتلميذ والإرسالية والمحيط، ثم الوعي بالعلاقات فيما بينها، فالتكوين يجب أن يتم وفق الحيثيات الذكورة سابقا. والتي تروم تحقيق استقلالية المدرس، ومنها معرفة ذاته بيولوجيا وعاطفيا وذهنيا وثقافيا وعلائقيا. بالإضافة إلى معرفة التلميذ من حيث أصوله الاجتماعية والثقافية، ووتيرته البيولوجية، وميكانيزمانه الذهنية، ومدى ملاءمتها للمادة المدرسية، ثم معرفة المضامين المدرسية من مبادئ ومرامي وبرامج ومناهج تحددها المؤسسة، وأخيرا معرفة المحيط الاجتماعي للمؤسسة التربوية ومحاولة التكيف معه كل هذه المعطيات تحد في الحقيقة من استقلالية المدرس وتقلص هامش تحركه غير أن الوعي بها يجعله قادرا على استثمارها لأهدافه التربوية ، فالوعي هو أحد عوامل الاستقلالية. فالمدرس يكتسب الاستقلالية باستمرار، وفق ما يتخذه من مبادرات تخص اتخاذ القرارات، وأهمها قرار التثقيف الذاتي بصورة دائمة، ومن ثمة وضع الذات موضع السؤال وأخذ مسافة معها
تعلم التدريس هو أولا تعلم التواصل عبر التبادل والتحلي بفضيلة الإنصات والكرم التربويين. كما أن إتقان لغة الجسد وتعلم قراءة حركاته من تعبيرات الوجه، ومختلف دلالاتها. والعمل على تحويل بعده الجنسي بالاشتغال على طرق منحه وظيفة رمزية، كفيلة بجعل العملية التعليمية ترقى إلى مستويات تربوية عليا
على المدرس كذلك الاشتغال على اللغة عبر ربط الصوت بالدلالة على أساس أن التشديد على بعض الكلمات هو تكملة لدلالتها في أفق إنجاز تطابق تام بين الشكل والمضمون يتطلب ذلك طبعا، التكيف مع لغة التلميذ لا لكي يقيم فيها، فهذا لن يجعل تقدم التلميذ في مدارج المعرفة حاصلا، وإنما الانطلاق منها فحسب. فاستعمال لغة التلميذ الحسية ضروري فقط من حيث اندراجه في اللعبة أو الخدعة البيداغوجية لبلوغ مستويات مجردة
أما ما يسمى بـ الموهبة البيداغوجية، إذا وجدت، والمتمثلة في سهولة التواصل والقدرة على السيادة على الذات، فهي أمر مرغوب فيه غير أنها ليست موهبة المدرس بقدر ما هي تجاوزا موهبة الإنسان، إذ نجد أصولها في ثنايا الوراثة والتنشئة الاجتماعية.
يختم المؤلف كتابه بالتأكيد على الدور الإيجابي للمسرحة في العملية التعليمية والتربوية ويجعلها شرطا ضروريا لتطور المدرسة، وتقدم النساء والرجال الذين يصنعونها…
كتاب جدير بالقراءة والتمعن لكل مدرس تحدوه الرغبة في السير إلى الأمام.
وهكذا، ينتهي بنا الأمر إلى أن التدريس ليس وظيفة، بل موقف؛ ليس تقنية، بل رؤية؛ وليس نقلًا للمعرفة، بل خلقٌ لمعنى الوجود داخل فضاء التعلم. وذلك هو، في نهاية المطاف، سرّ هذا الفن الذي لا يُختزل.

قد يعجبك ايضا

Back to top button