سياسة
فتور في العلاقات الجزائرية-الروسية: تبعث برسائل سياسية حاسمة

هل انتهى زمن التحالف الاستراتيجي بين الجزائر وروسيا؟
في مشهد سياسي لافت لم يمر دون أن يثير تساؤلات وتسريبات، غاب الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون عن قائمة الضيوف المدعوين لحضور احتفالات “عيد النصر” في موسكو، التي تُخلّد سنوياً انتصار الاتحاد السوفياتي على النازية في الحرب العالمية الثانية. هذا الغياب، وسط حضور رؤساء دول أفريقية أخرى مثل مصر ومالي وبوركينا فاسو وليبيا، بدا بمثابة رسالة روسية واضحة موجهة للجزائر، تُنبئ بتحول في العلاقات الثنائية التي طالما طُبعت بالدفء والتقارب الاستراتيجي.
قراءة في المشهد السياسي
الخطوة الروسية لا يمكن اعتبارها مجرد سهو دبلوماسي أو تجاوز بروتوكولي، بل تحمل دلالات سياسية عميقة، تلمح إلى أن الكرملين لم يعد ينظر إلى الجزائر كحليف موثوق أو كرقم ثابت في معادلة النفوذ الروسي في شمال إفريقيا. ووفقاً لما نقلته مجلة “La Revue Afrique” الفرنسية، فإن الرئيس فلاديمير بوتين اختار عمدًا عدم توجيه الدعوة للرئيس تبون، في خطوة تعكس فتوراً في العلاقات وتراجعًا في موقع الجزائر التقليدي كحليف تاريخي لموسكو.
تاريخياً، شكلت الجزائر شريكاً استراتيجياً لموسكو منذ أيام الحرب الباردة، مدعومة بعقود تسليح ضخمة وتعاون أمني واستخباراتي واسع. لكن السنوات الأخيرة شهدت تحولات ملموسة في هذا التحالف، بدأت بتراجع اهتمام موسكو بالشأن المغاربي وانكفائها نحو أزمات أكثر إلحاحاً في أوكرانيا ومنطقة الساحل.
تناقضات وتباعد في المصالح
يبدو أن مسار التباعد بين الجزائر وروسيا تسارع بشكل ملحوظ في ظل التغيرات الجيوسياسية في المنطقة. فمن جهة، كثّفت روسيا من حضورها العسكري غير النظامي في إفريقيا عبر ميليشيات مثل “فاغنر” و”الفيلق الأفريقي الجديد”، في تحركات لم تلق ارتياحاً جزائرياً، خصوصاً في ليبيا ومنطقة الساحل حيث تتمدد مصالح الجزائر الأمنية والاقتصادية.
ومن جهة أخرى، أظهرت الجزائر رغبة متزايدة في تنويع شركائها، بما في ذلك تعزيز قنوات الاتصال مع الولايات المتحدة، والاهتمام بالأنظمة الدفاعية الغربية، وتوسيع مشاريع البنية التحتية جنوباً نحو دول الساحل. هذه الاستدارة المتدرجة عن المدار الروسي لم تمر دون رد فعل، ويبدو أن غياب تبون عن احتفالات موسكو هو أول ثمن سياسي تؤديه الجزائر جراء هذا التوجه الجديد.
تحولات استراتيجية أم خلاف عابر؟
يبقى السؤال الأبرز: هل نحن أمام مرحلة عابرة من البرود الدبلوماسي؟ أم أن الأمر يتجاوز ذلك ليصل إلى قطيعة استراتيجية تعيد رسم تحالفات المنطقة؟ المؤشرات توحي بأن العلاقة بين البلدين تمر بمنعطف غير مسبوق، خصوصاً في ظل تصاعد المنافسة بين الجزائر والمغرب على النفوذ الإقليمي، وتحولات التموضع الجزائري في ملفات دولية عدة.
إذا استمر هذا الفتور، فمن المرجح أن تنعكس تداعياته على موازين القوى في شمال إفريقيا، وعلى التوازنات التي ظلت قائمة لعقود بين القوى الدولية والإقليمية. كما قد تجد روسيا نفسها مضطرة لإعادة صياغة أولوياتها في المنطقة، في حال خسرت الجزائر كحليف استراتيجي.
تجاهل بوتين للرئيس تبون لم يكن مجرد إشارة بروتوكولية، بل حدث سياسي بامتياز يضاف إلى سجل التحولات الجيوسياسية الجارية في العالم العربي وأفريقيا. إنه تذكير صريح بأن التحالفات ليست أبدية، وأن السياسة الخارجية هي انعكاس مباشر لموازين المصالح والمواقف، لا للذكريات التاريخية. وفي ظل التوتر المتصاعد، تبقى العين على الجزائر: هل تمضي في إعادة تموضعها، أم تسعى لإعادة ضبط العلاقات مع موسكو قبل فوات الأوان؟
فاطمة الزهراء الجلاد.
Follow Us



