سياسة
دبلوماسية الباب المفتوح: الرباط ودمشق تؤسسان لعهد استراتيجي جديد عابر للقارات

شهدت العاصمة المغربية الرباط أول أمس حدثاً دبلوماسياً بارزاً يعيد رسم خارطة العلاقات العربية-العربية، تمثل في الافتتاح الرسمي للسفارة السورية، بحضور وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، ونظيره المغربي ناصر بوريطة. هذا التدشين لم يكن مجرد بروتوكول عابر، بل جاء كإعلان سياسي قوي عن طي صفحة الماضي وبدء مرحلة تحول كبرى انطلقت معالمها منذ الثامن من كانون الأول لعام 2024. وعقب مراسم الافتتاح، حرص الوزير الشيباني على التوجه مباشرة للقاء أبناء الجالية السورية في المغرب، في خطوة تعكس البُعد الإنساني والشعبي الذي يواكب هذا التقارب الرسمي، ويؤكد عمق الروابط التي تجمع بين الشعبين الشقيقين.
وتتجاوز العلاقات السورية المغربية اليوم لغة المجاملات التقليدية لتنتقل إلى مربع المواقف الاستراتيجية الحاسمة، حيث شكل اعتراف سوريا الصريح بمغربية الصحراء، وإقدامها على إغلاق مكاتب جبهة البوليساريو في دمشق، الركيزة الصلبة التي بُني عليها هذا العهد الجديد. هذا الموقف السوري الواضح يترجم وعياً عميقاً بمركزية ملف الوحدة الترابية للمملكة المغربية، ويعيد الدفء لروابط النضال السياسي المشترك والدعم المتبادل الذي طالما ميز تاريخ البلدين، فالمغرب بقيادته الحكيمة ورئاسته للجنة القدس، يمتلك حضوراً وازناً وثقلاً سياسياً في الساحتين العربية والأوروبية، وهو نفوذ دبلوماسي يمثل اليوم سنداً قوياً لدمشق في مساعيها لتعزيز حضورها الإقليمي والدولي وإعادة بناء جسورها السياسية خارج محيطها المباشر.
إن التأسيس لشبكة علاقات متينة بين الرباط ودمشق من شأنه أن يفتح آفاقاً رحبة لتبادل اقتصادي وتجاري وسياحي غير مسبوق، مستنداً إلى مؤهلات استثنائية يمتلكها كلا البلدين. ويتطلع الجانب السوري باهتمام كبير للاستفادة من القفزة النوعية التي حققتها المملكة المغربية في قطاعات حيوية صاعدة، أبرزها صناعة السيارات التي باتت رائدة فيها عالمياً، ناهيك عن الصناعات العسكرية، ومشاريع الطاقة المستدامة والمتجددة التي يمتلك المغرب فيها ريادة إقليمية واعدة، كما أن تدشين هذه الخطوط الدبلوماسية المباشرة سيسهم بشكل تلقائي في تسهيل حركة الرساميل وتبسيط إجراءات السفر، مما ينعش الحركة السياحية والتجارية بين أسواق المشرق والمغرب العربي.
وتتجلى القيمة الاستراتيجية الكبرى لهذا التقارب في تموقع المغرب كقوة اقتصادية استثمارية أولى في أفريقيا، ومركز مالي ولوجستي يربط القارة بالعام، ومن هذا المنطلق، ترى دمشق في الرباط بوابتها الذهبية نحو العمق الأفريقي، حيث تتيح هذه الشراكة للصادرات والشركات السورية الولوج إلى الأسواق الأفريقية الواعدة مستفيدة من الشبكة البنكية واللوجستية والاتفاقيات التجارية المتطورة التي نسجتها المملكة مع مختلف العواصم السمراء، ليكون افتتاح السفارة السورية في الرباط تدشيناً لمحور تعاون متوازن يزاوج بين عراقة الروابط التاريخية وبراغماتية المصالح المشتركة في عالم لا يعترف إلا بالتكتلات القوية.
Follow Us



