ماذا كشفت عملية البحث في المصادر الأمريكية بشأن رواية الاعتداء المزعوم على الطفل الجزائري في بوسطن ؟

تحولت قضية الطفل الجزائري الذي قيل إنه تعرض لاعتداء جماعي بمدينة بوسطن الأمريكية إلى واحدة من أكثر القضايا تداولا في الإعلام الجزائري خلال الأيام الأخيرة، بعدما انتقلت من منصات التواصل الاجتماعي إلى وسائل الإعلام، ثم إلى الخطاب السياسي، في وقت ظلت فيه الأسئلة المتعلقة بالأدلة والوثائق الرسمية دون إجابات واضحة.
وأمام الرواية الجزائرية، تفرض المقاربة الصحفية العودة إلى المصادر الأصلية، باعتبارها المرجع الأول للتحقق من الوقائع، خاصة عندما يتعلق الأمر بحادث يفترض أنه وقع داخل الولايات المتحدة الأمريكية، حيث تعتمد المؤسسات الأمنية والقضائية، ووسائل الإعلام المحلية، آليات واضحة لنشر المعلومات المتعلقة بالقضايا ذات الاهتمام العام.
*أين هو البيان الرسمي؟*
أولى خطوات التحقق قادت إلى مراجعة البيانات المنشورة من طرف شرطة مدينة بوسطن، باعتبارها الجهة المختصة بالتعامل مع مثل هذه الوقائع.
غير أن البحث في البلاغات المنشورة لم يسفر، إلى حدود الساعة، عن أي بيان يتحدث عن تعرض قاصر جزائري لاعتداء جماعي من طرف عشرات المشجعين المغاربة، كما لم يظهر أي إعلان يتعلق بتوقيفات جماعية أو فتح مسطرة قضائية وفق التفاصيل التي تم تداولها على نطاق واسع.
ويكتسي غياب هذا المعطى أهمية خاصة، لأن الرواية المتداولة تحدثت عن حادث كبير شارك فيه عدد كبير من الأشخاص، وهو ما يجعل من الطبيعي، في الظروف العادية، أن ينعكس في بلاغ أمني أو تصريح رسمي، إذا ثبت وقوعه بذلك الحجم.
*الإعلام المحلي… صمت يثير التساؤلات*
ولم يتوقف البحث عند البيانات الأمنية، بل امتد إلى وسائل الإعلام المحلية بمدينة بوسطن، التي تتابع عادة الأحداث الأمنية والوقائع المرتبطة بالتجمعات الجماهيرية.
ورغم اتساع دائرة البحث، لم يظهر أي تقرير إعلامي محلي يؤكد الرواية بالشكل الذي تم تداوله في عدد من المنابر الجزائرية، سواء فيما يتعلق بطبيعة الاعتداء أو بعدد المتورطين أو بحجم التدخل الأمني.
ولا يعني ذلك، بالضرورة، أن أي حادث لم يقع، لكنه يعني أن التفاصيل التي تحولت إلى قضية إعلامية وسياسية لم تجد، حتى الآن، ما يدعمها من مصادر أمريكية مستقلة.
*رواية تتغير مع كل إعادة نشر*
ومن بين الملاحظات التي كشفتها عملية التتبع أيضا، أن الرواية لم تبق ثابتة منذ ظهورها الأول.
فقد اختلفت المصادر في عدد المعتدين، وعدد الأشخاص الذين قيل إن السلطات الأمريكية أوقفتهم، كما اختلفت في طبيعة الإجراءات القضائية المفترضة، دون أن ترافق هذه التعديلات أي وثائق رسمية أو تصريحات صادرة عن الجهات المختصة.
ويعتبر تضارب التفاصيل من المؤشرات التي تدفع، مهنيا، إلى التعامل بحذر مع الخبر، لأن الممارسة الصحفية تجعل من اتساق الوقائع أحد عناصر تقييم مصداقية الرواية.
*ماذا عن الصور والفيديوهات؟*
كما شملت عملية التحقق المواد البصرية التي تم تداولها باعتبارها توثق الحادث.
وأظهرت المراجعة أن بعض الصور المتداولة تعود إلى منافسات كأس العالم قطر 2022، وهو ما يمنع اعتمادها دليلا على حادث يفترض أنه وقع خلال منافسات كأس العالم 2026.
أما أحد المقاطع المصورة، الذي جرى تحديد موقع تصويره بمنطقة The Tall Ship في شرق بوسطن، فإنه لا يقدم، بمفرده، دليلا على صحة الرواية، لأن تحديد المكان لا يثبت أن المقطع يوثق الواقعة نفسها، ولا يسمح بالتأكد من هوية الأشخاص أو توقيت التصوير أو ظروفه.
*كيف بدأت القصة؟*
وتشير متابعة مسار انتشار الرواية إلى أنها انطلقت من عدد محدود من الحسابات النشطة على منصات التواصل الاجتماعي، قبل أن تنتقل إلى وسائل إعلام جزائرية، التي منحتها زخما واسعا، ثم بلغت مستوى الحديث عنها على لسان الرئيس الجزائري، في وقت لم تكن فيه السلطات الأمريكية قد أصدرت أي تأكيد رسمي بشأنها.
ويمثل هذا المسار نموذجا يتكرر في عدد من القضايا التي تنتشر بسرعة عبر الفضاء الرقمي، حيث تتوسع دائرة التداول قبل أن تكتمل عملية التحقق من الوقائع.
*بين الاحتمال واليقين*
ويبقى احتمال وقوع مشادة محدودة أو حادث فردي أمرا لا يمكن استبعاده في أي تجمع جماهيري، غير أن هذا الاحتمال يختلف جذريا عن رواية تتحدث عن اعتداء جماعي شارك فيه عشرات الأشخاص، وعن توقيفات واسعة وإجراءات قضائية كبيرة.
وإلى أن تصدر معطيات رسمية من السلطات الأمريكية المختصة، أو تظهر وثائق مستقلة تؤكد تفاصيل الواقعة، تبقى الرواية المتداولة غير مدعومة بالأدلة الكافية التي تسمح بالتعامل معها باعتبارها حقيقة ثابتة.
وتعيد هذه القضية التأكيد على أن وظيفة الصحافة لا تتمثل في إعادة إنتاج الروايات الأكثر انتشارا، وإنما في إخضاعها للاختبار، والبحث عن الأدلة، والتمييز بين ما ثبت وقوعه وما لا يزال في دائرة الادعاء.



