البام يختبر رصيده البشري في التشريعيات.. الخبرة تتقدم والوجوه الجديدة تبحث عن موقع

حين تحسم الأحزاب أسماء مرشحيها، فإنها لا تختار فقط من سيخوض الانتخابات باسمها، بل تقدم في الوقت نفسه صورة عن الطريقة التي تدبر بها نخبها وعن الوزن الذي تمنحه للعمل التنظيمي والتجربة السابقة والكفاءة والقدرة على المنافسة.
ومن هذه الزاوية، تقدم تركيبة مرشحي حزب الأصالة والمعاصرة للانتخابات التشريعية المقبلة معطيات تستحق القراءة، خاصة مع حضور قوي لأسماء سبق أن اختبرت الانتخابات تحت راية الحزب، إلى جانب مرشحين يدخلون المنافسة لأول مرة.
وأعلن الحزب أن 52 من مرشحيه سبق لهم خوض استحقاقات انتخابية، مقابل 32 مرشحا يدخلون التجربة للمرة الأولى، فيما تفيد المعطيات المتعلقة بالمسار الداخلي بأن 58 في المائة من المرشحين تدرجوا داخل هياكل الأصالة والمعاصرة وراكموا تجربة سياسية وتنظيمية داخله.
بهذه التركيبة، لا يبدو أن البام يريد الذهاب إلى الانتخابات بلائحة يغلب عليها التجديد الكامل، ولا بلائحة مغلقة على الوجوه السابقة. الاختيار يتجه إلى الاحتفاظ بكتلة واسعة من أصحاب التجربة، مقابل إدخال جرعة من التجديد عبر أسماء تخوض الاستحقاق للمرة الأولى.
ولعل هذا التوازن يعكس المرحلة التي وصل إليها الحزب بعد سنوات من وجوده في قلب المشهد السياسي. فالبام اليوم ليس الحزب نفسه الذي كان يبحث في سنواته الأولى عن بناء امتداده الجغرافي وتوسيع قاعدته الانتخابية واستقطاب أسماء قادرة على منحه حضورا سريعا في المؤسسات.
لقد مر الحزب من المعارضة إلى المشاركة الحكومية، وراكم حضورا داخل البرلمان والجماعات الترابية والجهات، وأفرزت هذه التجربة جيلا من المسؤولين والمنتخبين الذين أصبحوا جزءا من رصيده السياسي.
لذلك يصبح من الطبيعي أن يعود الحزب إلى هذا الرصيد عندما يحين موعد الانتخابات.
غير أن المسألة لا تقف عند إعادة ترشيح أصحاب التجربة. فما تكشفه نسبة الحضور التنظيمي هو أن الحزب يحاول إعطاء وزن للمسار الداخلي نفسه، بحيث لا تصبح التزكية منفصلة عن سنوات العمل داخل الهياكل والمسؤوليات التي سبق للمرشح تحملها.
وهذه النقطة تحديدا تضع البام أمام اختبار المأسسة.
فأحد أكبر تحديات الأحزاب المغربية ظل مرتبطا بقدرتها على بناء مسارات سياسية داخلية واضحة، تسمح بصعود الأطر من التنظيمات المحلية والجهوية إلى مواقع المسؤولية والتمثيل. وكلما غابت هذه المسارات، تحولت الانتخابات إلى لحظة بحث مستعجل عن الأسماء القادرة على الفوز، بغض النظر عن علاقتها السابقة بالتنظيم.
في المقابل، فإن جعل التجربة التنظيمية عاملا في اختيار المرشحين يمنح العمل داخل الحزب أفقا سياسيا، ويجعل التزكية نتيجة محتملة لمسار سابق وليس قرارا يبدأ وينتهي مع موسم الانتخابات.
لكن هذا الخيار يحمل تحديا آخر لا يقل أهمية: ألا تتحول الاستمرارية إلى حق مكتسب.
فالمرشح الذي سبق له دخول الانتخابات أو البرلمان لا ينبغي أن يحصل على الأفضلية لمجرد تجربته السابقة، وإنما يفترض أن تكون حصيلته وحضوره وقدرته على المنافسة جزءا من تقييم الحزب له. ومأسسة الترشيحات لا تعني تقديم القدامى، بقدر ما تعني إخضاع القديم والجديد لمعايير مفهومة وقابلة للدفاع عنها.
وهذا ما يمنح حضور المرشحين الجدد أهمية موازية. فالحزب يحتاج باستمرار إلى دماء جديدة، سواء من أطره الصاعدة أو من الكفاءات التي تلتحق به، لأن التنظيم الذي لا يجدد نخبه قد يحافظ على الاستقرار لبعض الوقت، لكنه يفقد تدريجيا قدرته على التوسع.
لذلك، يمكن قراءة تركيبة مرشحي البام باعتبارها محاولة للجمع بين ثلاث حاجات في الوقت نفسه: الحفاظ على الخبرة، فتح الطريق أمام وجوه جديدة، وعدم إفراغ العمل التنظيمي من قيمته.
وهي معادلة لن يكون نجاحها مرتبطا فقط بنتائج ليلة الاقتراع.
فالاختبار الأبعد هو ما إذا كان الحزب سيحول هذه الطريقة في تدبير الترشيحات إلى تقليد يستمر بعد انتخابات 2026، بحيث يعرف من يدخل الأصالة والمعاصرة أن أمامه مسارا سياسيا يمكن أن يتدرج فيه، وفي الوقت نفسه يدرك من تحمل المسؤولية أن الاستمرار ليس مضمونا دون حصيلة.
عندها فقط تصبح التزكية جزءا من بناء الحزب، وليس مجرد أداة لخوض الانتخابات.
وبهذا المعنى، فإن المعركة التي يخوضها الأصالة والمعاصرة تبدأ قبل صناديق الاقتراع. فإلى جانب المنافسة على المقاعد، هناك اختبار آخر يجري داخل الحزب نفسه: هل يستطيع تحويل الرصيد البشري الذي راكمه طوال السنوات الماضية إلى نخبة سياسية متجددة وقادرة على الاستمرار؟
الإجابة الأولى تقدمها خريطة المرشحين، أما الإجابة الحاسمة فستقدمها صناديق الاقتراع ثم أداء من يصل منهم إلى البرلمان.
المعطيات المنشورة في الأيام الأخيرة تؤكد كذلك أن الحزب أعلن تغطية جميع الدوائر، وقدم سبع نساء في اللوائح المحلية، بينما وصف سمير كودار تركيبة المرشحين بأنها تجمع بين التجربة والتجديد والتنوع المهني والمجالي.



