كلمة السيد وزير الصحة والحماية الاجتماعية البروفيسور خالد آيت طالب في لقاء حول الأمن الدوائي في المغرب

بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على الرسول الكريم، نبينا محمد الصادق الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
• السيد الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض-رئيس النيابة العامة
• السيدة ممثلة المنظمة العالمية للصحة
• السادة المسؤولون القضائيون
• السادة المسؤولون الإداريون بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية ورئاسة النيابة العامة
• السادة ممثلي المديرية العامة للأمن الوطني والدرك الملكي
• السيد ممثل إدارة الجمارك والضرائب الغير المباشرة
• السيد الوكيل القضائي للمملكة
• السيد ممثل الأمانة العامة للحكومة
• السيدات والسادة الحضور كل واحد بصفته والاحترام واجب لمقامه
يطيب لي أن أحضر إلى جانبكم هذا اللقاء الهام حول الأمن الدوائي بالمغرب، ويسرني كذلك أن أحيي جمعكم الكريم هذا، شاكراً ومثمنا المجهودات العالية التي أبانت عليها رئاسة النيابة العامة، بما في ذلك التعاون والاهتمام الكبير الذي انخرط فيه مسؤولها، إلى جانب أطر المديرية العامة للأمن الوطني والدرك الملكي وإدارة الجمارك والضرائب غير المباشرة.
وإنني إذ أشيد بفكرة تنظيم مثل هذا اليوم الدراسي، فإنني أعتبر هذا الاجتماع مناسبة لتسليط الضوء على قضية بالغة الأهمية تتعلق بتحقيق الأمن الدوائي ببلانا، من أجل تعزيز الوقاية والسلامة الصحية بمفهومها الشامل، باعتبارها خط الدفاع الأول لحماية مجتمعنا، ومحاربة كل أشكال الغش التجاري، والحد من استفحال خطر ظاهرة بيع وتسويق الأدوية، والمنتجات الصحية المزيفة والمهربة ومجهولة المصدر التي من شأنها المساس بالصحة العامة.
وكما لا يخفى على جمعكم الكريم، فإن هاته الظاهرة أصبحت تتخذ أبعادا معقدة ومركبة وتتداخل فيها مجموعة من المصالح، تنشط ضمنها العديد من الشبكات على المستوى الدولي والقاري، مما يشكل خطرا حقيقيا على بلادنا، إذا لم يتم الحسم فيه، والقضاء نهائيا على مثل هاته الممارسات المخالفة لأخلاقيات المهنة، والتي لاتكترث لصحة المواطنين عبر تسويق وبيع أدوية ومنتجات صحية مزيَّفة دون ترخيص من لدن السلطة الوصية الخاضعة لوزارة الصحة والحماية الاجتماعية. ولا يمكن حل هذه المعضلة إلا بتظافر الجهود واعتماد مقاربة استباقية وتشاورية والتنسيق مع كل الفرقاء والمتدخلين على المستوى الوطني.
إذ أنه يتعين على بلادنا اعتماد خيارات مناسبة وفق سياسة دوائية وطنية متجانسة ومتكاملة، تعتمد على تطوير برامج وآليات جديدة لمكافحة ترويج مثل هاته الأدوية والمنتجات الصحية المزيَّفة، ترتكز على التشريعات والمساطر القانونية الآنية، مع إمكانية سن قوانين جديدة كفيلة بمعالجة واحتواء الظاهرة من أجل درء كل أشكال الخطر عن بلادنا.
أيها الحضور الكريم،
إن الرؤية الملكية لتعزيز السيادة الصحية كأساس للأمن الاستراتيجي للمملكة، والإشراف الملكي على أوراش تنزيل هذه الرؤية، مكنت المغرب من التموقع كبلد رائد على الصعيد الإقليمي والقاري.
ففي الخطاب السامي لجلالته الموجه إلى المشاركين في اليوم العالمي للصحة الذي انعقد في أبريل 2019، حدد صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله وأيده، الشروط الأساسية لإنجاح منظومتنا الصحية في أفق تحقيق السيادة الدوائية، مشيرا إلى أن هذه الرؤية المتبصرة تدعونا إلى إحداث تغيير في المنظومة القائمة بما يجعل من قطاع الصحة قطاعا منتجا، يضفي قيمة اجتماعية واقتصادية باعتماد التكنولوجيات المعاصرة ومنفتحا على محيطه الدولي والقاري.
وتنفيذا لهذه التوجيهات الملكية السامية، فإن استراتيجيتنا، من خلال جملة من التدابير، تترجم جيدا هذه الإرادة الملكية التي تطمح إلى تعزيز السيادة الدوائية وتمكين المواطنين من حق الولوجية للأدوية والمستلزمات الطبية ذات الجودة العالية والفاعلية والسلامة الصحية.
ومن أهم التدابير السالفة الذكر نجد السياسة الدوائية الوطنية والتي تمت بلورتها بتعاون مع المنظمة العالمية للصحة بناء على مقاربة تشاركية وتشاورية.
وبالفعل، فإن السياسة الدوائية الوطنية ساهمت بشكل كبير في ضمان جودة الدواء المغربي، وبما أن هذا الدواء يتعلق بحياة المواطنين وصحتهم، فقد اعتمدنا في ظل سياستنا، الحكامة الجيدة، وتكريس مبدأ الشفافية، والنزاهة، والمراقبة الصارمة، حيث لا يمكن الحديث عن الأمن الدوائي ما لم تكن هناك ضمانات تثبت أن هاته الأدوية تستوفي المعايير المقبولة للجودة والفاعلية والسلامة الصحية لضمان حصول المريض على الدواء المناسب ذي الجودة.
أيها الحضور الكريم،
إن وزارة الصحة والحماية الاجتماعية تقوم بجهود ملموسة لمكافحة التزوير والتزييف في الأدوية والمنتجات الصحية، ويمكن أن تتكامل هذه الجهود بفضل المساعي المشتركة للحكومة المغربية بهدف تحقيق السلامة الصحية بمفهومها الشامل.
وفي هذا الصدد تم توفير ترسانة قانونية غنية ومتنوعة، تمكن من تقنين وتأطير قطاع الأدوية والمنتجات الصحية بمختلف مراحله، انطلاقا من عمليات التصنيع والاستيراد والحيازة والتوزيع والصرف والتصدير بهدف توفير أدوية كافية عبر التحكم في المخزون الاحتياطي للحد من آفة انقطاع الأدوية.
وتتجلى هاته الترسانة القانونية من خلال مراقبة عناصر الجودة المتعارف عليها عالميا في هذا الميدان. فالقانون رقم 17 -04 بمثابة مدونة الأدوية والصيدلة ومجموعة أخرى من القوانين الموازية وأهمها قانون84 12-المتعلق بالمستلزمات الطبية وقانون 08-11 الخاص بالكواشف المستعملة لغرض إجراء التحاليل بالمختبر تلزم بضرورة:
• انشاء مواقع لصنع الأدوية والمنتجات الصحية مرخصة وخاضعة للتفتيش والمراقبة بصفة منتظمة.
• الحصول على الإذن بالعرض في السوق إذ لا يمكن إدخال أي دواء أو منتج صحي، ولو في شكل عينات، إلا عن طريق ترخيص مسلم من طرف وزارة الصحة والحماية الاجتماعية.
• احترام قواعد حسن إنجاز تصنيع وتوزيع وتخزين الأدوية والمنتجات الصحية.
• اعتماد نظام الاحتراز الدوائي والاحتراز المتعلق بالمنتجات الصحية.
إضافة إلى كل هذا فإن وزارة الصحة والحماية الاجتماعية تزاول مهامها المتعلقة بمكافحة كل أشكال الغش والتزييف من خلال مراقبة الجودة والسلامة بجميع مكوناتها بدءا بتقييم الملفات مع إلزامية التكافؤ الحيوي بالنسبة للأدوية الجنيسة، إلى جانب إجراء التحاليل المخبرية من طرف المختبر الوطني لمراقبة الأدوية وكذا لجان التفتيش الصيدلي من طرف أطر مشهود بكفاءتها.
وقد حصل المختبر الوطني لمراقبة الأدوية للمرة الثالثة على التوالي على شهادة الاعتماد ISO
17025 من طرف المديرية الأوروبية لجودة الأدوية والمنتجات الصحية التابعة للاتحاد الأوربي كان آخرها سنة 2018 وكذلك الإعتراف المحصل عليه من طرف منظمة الصحة العالمية كان آخره سنة 2019. ويشرف المختبر الوطني لمراقبة الأدوية على إجراء العديد من الاختبارات ذات الطابع الفيزيائي والكيميائي والبيولوجي بصورة علمية فضلا عن تطبيق كافة إجراءات الجودة التي أقرتها المعايير الدولية والممارسات المخبرية الجيدة في جميع الاختبارات المعملية التي يشرف عليها وذلك لضمان تقديم نتائج دقيقة وموثوقة.
يعتبر حاليا المختبر الوطني لمراقبة الأدوية عضوا ضمن دستور الأدوية الأمريكي و دستور الأدوية الأوروبي.
ومما لا يخفى على علمكم الكريم، فان قطاع الأدوية والمنتجات الصحية يعرف مراقبة يقظة وتفتيشا بانتظام ويعرض عدم احترام القوانين والتنظيمات صاحبه إلى عقوبات وخيمة من طرف المشرع. حيث تقوم لجان التفتيش الصيدلي بالمراقبة الميدانية للقطاع بشكل دوري للتحقق من مدى احترامه للتشريعات والتنظيمات المعمول بها في الميدان الصيدلي، وتقوم بحملات تفتيش بشكل مستمر، للتأكد من جودة الدواء والمنتج الصحي المتداول في السوق الوطنية، وتتعامل مع الأدوية المُبلغ عنها للتأكد من مطابقتها للمواصفات. وفى حالة وجود دواء أو منتج صحي غير مسجل بوزارة الصحة والحماية الاجتماعية أو غير مطابق، يتم تحرير محضر ويتم مصادرته فورا حسب القواعد والقوانين المعمول بها.
أيها الحضور الكريم،
أعتقد أنه لا اختلاف حول مدى خطورة ظاهرة تزييف الأدوية والمنتجات الصحية وما تشكله من تهديد للصحة العامة والمساس بمصداقية النظام الصحي باعتبار أن المنتجات المزيفة لا تحترم أدنى شروط الجودة والفاعلية والسلامة المعمول بها. دون أن نتجاهل ما قد يترتب عن هذه الممارسات من مشاكل قد تعصف بالاستقرار الاقتصادي وزعزعة الأمن الاجتماعي وتنامي الجريمة.
فما تدره هاته الآفة من أرباح طائلة تستعمل غالبا في تمويل الجريمة والإرهاب.
وفي غياب الإجراءات الزجرية، تزدهر تجارة الأدوية والمنتجات الصحية في جميع أنحاء العالم عن طريق الأنترنيت. إذ تشير التقديرات إلى أن 50-80% من الأدوية تسوق وتباع عبر شبكة الإنترنيت في غياب مطلق لأية مراقبة من لدن الجهات المختصة.
ومما يساهم في استفحال هذه الظاهرة:
– الانفتاح التجاري والتبادل الحر
– الافتقار للموارد البشرية
– محدودية التعاون الدولي
– عدم جدوى المتابعات القضائية والعقوبات.
بالنسبة للمغرب، فنحن كذلك معنيون بهذا التهديد العالمي، مع أنه يصعب حاليا الوقوف على الأرقام الحقيقية التي تشكلها ظاهرة تزييف المنتجات الصحية ببلدنا.
فبالنسبة للدواء، لم تسجل حالات مهمة لترويج الأدوية المزيفة، ولم تحجز أي كميات في هذا الإطار، هذا يرجع لبعض المميزات التي سأتطرق لها فيما يلي. أما الحالات المسجلة فتتمثل في التهريب الذي ينشط في بعض المدن الحدودية حيث تتمكن عناصر الجمارك والأمن الوطني من حجز كميات هامة من الأدوية المهربة.
حضرات السيدات والسادة،
استعرضت منظمة الصحة العالمية قضية الأدوية المزيفة التي باتت تمثل تهديدا متزايدا. وفي هذا السياق أقر مسؤولو المنظمة أن نسبة الأدوية المزيفة في العالم تعادل الواحد من 10، وأن ما بين 30 و 70% من مجمل الأدوية المغشوشة المنتشرة في الأسواق كانت في أفريقيا، في حين تبلغ حصة الدول الأوروبية مجتمعة 21 في المئة، وتساويها في ذلك دول القارة الأمريكية (في الشمال والجنوب).
وتعدّ تجارة الأدوية المزيفة مربحة جدا، إذ تحقّق مداخيل من 10 الى 20 ضعف ما يمكن أن تدرّه عمليات تهريب السجائر أو الهيرويين من مداخيل، فاستثمار ألف دولار في الأدوية المزيفة وفق المعهد الدولي لأبحاث مكافحة تزوير الأدوية يسمح للمنظمات الاجرامية بجني نصف المليون دولار.
وتبلغ قيمة تجارة المستحضرات الصيدلانية المزورة نحو 200 مليار دولار سنوياً، في وقت تعد فيه إفريقيا من المناطق الأكثر تضرراً.
في نفس السياق، فإن العديد من الحكومات والهيأت الدولية تواصل جهودها لمكافحة ظاهرة الأدوية المغشوشة منذ سنوات تحت إشراف الانتربول والمنظمة الدولية للجمارك ما ترجم قبل 11 عاما بعملية «بانجيا Pangea» التي انخرطت فيها 116 دولة ومكنت إلى حدود سنة 2018 من إغلاق 3671 موقع أنترنيت يبيع أدوية مزيفة ومغشوشة، وتوقيف 859 شخصا وضبط 500 طن من هذه الأدوية المغشوشة.
أيها الحضور الكريم،
يعتبر تزييف الأدوية ظاهرة عالمية تعيق تحقيق الأمن الدوائي. إذ تحاول كل دول العالم الحد من استفحالها في إطار تظافر الجهود والسعي إلى إبرام اتفاقيات عالمية تمكن من تبادل المعلومات والخبرات في هذا المجال، والمغرب لا يخرج عن هذا الإطار، وذلك من خلال توقيعه في 2012 على الاتفاقية العالمية MEDICRIME التي تعتبر أداة مهمة وضعت من قبل المجلس الأوروبي لتجريم تزييف الأدوية والمنتجات الصحية. وتشكل هذه الاتفاقية أول معاهدة دولية تجرم صناعة وترويج المنتجات الصحية المزيفة. كما تنص هذه الاتفاقية على التعاون المشترك على المستوى المحلي والدولي بين السلطات المختصة من صحة وعدل وأمن وجمارك.
بالنسبة للتعاون المحلي، فعلى الرغم من تواجده بين السلطات المختصة من وزارة الصحة والحماية الاجتماعية ومصالح الأمن الوطني والجمارك بشراكة مع القطاع الخاص، إلا أنه نظرا للطابع السري للمعلومات يبقى التعاون دون مستوى التطلعات ومن المرتقب أن يشكل دخول اتفاقية MEDICRIME حيز التنفيذ، رافعة مهمة لتفعيل هذا التعاون ووضع الآليات اللازمة لذلك.
علاوة على الاتفاقيات العديدة التي تربط المغرب مع دول شقيقة:
1. اتفاقية تخص مجال الصحة مع مجلس التعاون الخليجي سيما في مجال تبادل المعلومات والخبرات المتعلقة بالأدوية والمنتجات الصحية وخصوصا في مجال التفتيش.
2. بروتوكول التعاون المغربي الأردني .
3. التوقيع على اتفاقيات مع العديد من دول إفريقيا في دجنبر 2015 «محاربة التزييف».
فالمغرب له شراكات مع عدة فاعلين دوليين في مجال مكافحة التزييف نذكر منهم:
– المنظمة الدولية للشرطة الجنائية “انتربول”
– الاتحاد الأوروبي – المديرية الأوروبية للأدوية والمنتجات الصحية “EDQM”
– “سيفيبول CIVIPOl” في إطار المشروع REPT
إن هذا اللقاء بالنسبة لنا هو تتويج لعملية قوامها التشاور وتقريب وجهات النظر ومقترحات العمل التي أدت، إلى إحداث شراكة قوية ودائمة تجمع بين وزارتنا ومؤسستكم لما فيه من مصلحة بالغة لتعزيز الأمن الدوائي بمملكتنا.
وفي الختام، أحيي وأبارك الجهود المخلصة التي تبذلونها، وأتقدم لكم بخالص الشكر والثناء على مجهوداتكم ومساعيكم الخيرة الملموسة في الارتقاء بمستوى التعاون والتنسيق والتكامل في المجال الصحي عموما والمجال الصيدلي خصوصا.
وأسـأل الله العلي القدير أن يكلل أشغال هذا اللقاء الهام بالتوفيق والنجاح. ونتطلع بأن نخرج بمبادرات بناءة تدعم الجهود المبذولة في هذا المجال، وتحقيق المزيد من التكامل والتنسيق لمكافحة ظاهرة تزييف الأدوية والمنتجات الصحية. كما أدعو الخبراء والمتخصصين المشاركين إلى التركيز على الجانب التشريعي المتصل بموضوع تزوير وتزييف الأدوية، ووضع الضوابط والإجراءات القانونية اللازمة لمكافحة هذا النوع الخطير من الغش التجاري. ومزيداً من التنسيق بين الجهات المعنية القائمة، وإذ نؤكد على أن سلامة الانسان، الذي كرمه الله عز وجل، أمانة في أعناقنا جميعا، ونحن مطالبون بحمايته والحفاظ على صحته وتجنيبه كافة الأخطار والأضرار.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته …



