هندسة التغيير الديموغرافي في المغرب: بين شعارات التنمية وخلفيات الاستبدال

منذ عام 2011، يعيش المغرب على وقع موجة متسارعة من المشاريع الأجنبية التي تقدم في ثوب «تنموي» وإنساني، لكنها تخفي في عمقها ملامح خطة متكاملة تهدف إلى إعادة صياغة النسيج الديموغرافي والاجتماعي للبلاد. مشاريع متعددة الأطراف، بمشاركة مؤسسات دولية وتمويلات ضخمة من الاتحاد الأوروبي، البنك الدولي، ومؤسسات مثل Open Society Foundations وHeinrich Böll Stiftung، كلها تعمل تحت شعارات براقة، بينما تتقاطع أهدافها حول نقطتين أساسيتين: تصدير الكفاءات المغربية إلى الخارج، واستقدام مهاجرين جدد لتوطينهم داخل المغرب.
تصدير الشباب المغربي: فرص أم تفريغ من الطاقات؟
في سنة 2014، أطلق البنك الدولي مشروع “إتاحة فرص العمل للشباب المغربي في الخارج”، بتمويل فاق 3 ملايين دولار، وبشراكة مع الوكالة الوطنية لإنعاش التشغيل والكفاءات (ANAPEC) والتعاون الألماني (GIZ). المشروع استهدف إرسال الشباب المغربي إلى ألمانيا للعمل في قطاعات كالبناء والفندقة، في وقتٍ يعاني فيه المغرب من نسب بطالة مرتفعة في صفوف الشباب. ورغم الترويج لهذا البرنامج كفرصة للتشغيل والتكوين، إلا أن المراقبين يرون فيه حلقة في مسلسل تصريف الطاقات الشابة المغربية إلى الخارج، ما يضعف البنية السكانية الوطنية ويفتح الباب أمام بدائل خارجية.
الاتحاد الأوروبي: تمويل بشروط ديموغرافية
من خلال تمويلات تجاوزت 1.5 مليار يورو بين 2014 و2020، أصبح الاتحاد الأوروبي أحد أبرز الفاعلين في إعادة تشكيل الواقع المغربي. من أبرز البرامج التي أثارت جدلاً:
– برنامج Sharaka: يستهدف إدماج سياسات الهجرة في مؤسسات الدولة المغربية، وتحويل الهجرة إلى محور تنموي.
– دعم الميزانية العامة بقيمة 35 مليون يورو، مشروط بتمرير تشريعات لتسهيل توطين المهاجرين.
– تمويل إدماج المهاجرين (10 ملايين يورو): لتوفير التعليم والصحة والتكوين، وسط غياب مشاريع موازية موجهة للشباب المغربي.
صندوق الطوارئ الأوروبي: توطين بدل عودة
تحت لافتة “محاربة الهجرة غير النظامية”، خصص الاتحاد الأوروبي ما يفوق 234 مليون يورو للمغرب بين 2015 و2025. غير أن هذه التمويلات توجهت أساساً إلى:
– تعزيز البنية التحتية لاستقبال المهاجرين.
– إنشاء مراكز إيواء وتوفير الخدمات الصحية والتعليمية.
– دعم مشاريع الإدماج طويلة الأمد، مقابل برامج “عودة طوعية” محدودة لا تشمل إلا نسبة ضئيلة.
منظمات تنفيذية: وجه إنساني بأجندات جيوسياسية
المنظمة الدولية للهجرة (IOM) والمفوضية السامية للاجئين (UNHCR): تعملان على توفير دعم شامل للمهاجرين واللاجئين، يتجاوز في بعض الأحيان ما يقدم للمواطن المغربي.
GIZ: تنسق مشاريع تصدير الكفاءات المغربية وتوفر الاستشارات للهجرة.
Open Society Foundations وHeinrich Böll Stiftung: تمولان جمعيات محلية لنشر خطاب “التعددية والتعايش”، بما يسهم في تطبيع وجود الوافدين ضمن الهوية المجتمعية المغربية.
الجمعيات المحلية: أذرع تنفيذ داخلية
تلعب جمعيات مغربية دور الوسيط بين التمويلات الخارجية والمجتمع المحلي:
مؤسسة الشرق والغرب (Fondation Orient-Occident): تنظم أنشطة ثقافية ورياضية لدمج المهاجرين.
والهلال الأحمر المغربي: تدير برامج تكوين وصحة وتمويل للمهاجرين.
جمعيات إعلامية وحقوقية: تنشط في مجال التوعية لإضفاء شرعية مجتمعية على مشاريع التوطين، بدعم خارجي مباشر.
خلف الواجهة: أي مستقبل ديموغرافي للمغرب؟
الواقع يظهر أن المغرب يتحول تدريجياً إلى ساحة لتجارب السياسات الأوروبية في ملف الهجرة. فبين تصدير الشباب المغربي وتوطين مهاجرين من دول إفريقيا جنوب الصحراء، تبرز معالم مشروع يستهدف إعادة تشكيل البنية الديموغرافية والاجتماعية للبلاد.
وإذا كانت التنمية الحقيقية تبدأ بالاستثمار في الإنسان المحلي، فإن ما تشهده البلاد من توجيه ممنهج للموارد نحو غير المغاربة، مقابل تجاهل احتياجات فئة الشباب والطبقة الوسطى، يطرح تساؤلات ملحة حول السيادة الوطنية، والخيارات الاجتماعية التي يراد فرضها باسم “التنمية والتعايش”.
ما بين الشعارات المرفوعة والمشاريع الممولة، يقف المغرب أمام مفترق طرق ديموغرافي وثقافي، يستدعي نقاشًا وطنيًا عميقًا حول مستقبل الهوية والسيادة الاجتماعية.
فاطمة الزهراء الجلاد.



