
في قرار حاسم أعاد ترتيب النقاش القانوني حول مبدأ فصل السلط واستقلال القضاء، أعلنت المحكمة الدستورية عدم دستورية مجموعة من المقتضيات ضمن مشروع القانون رقم 02.23 المتعلق بالمسطرة المدنية، الذي تمت المصادقة عليه مؤخراً في إطار القراءة الثانية بمجلس النواب.
القرار الذي شكّل صدمة لدى بعض الأوساط القانونية، استهدف بالأساس المادة 17 من المشروع، والتي كانت قد أثارت جدلاً واسعاً بين المهنيين والحقوقيين، لما تتضمنه من صلاحيات استثنائية ممنوحة للنيابة العامة، أبرزها إمكانية الطعن في الأحكام القضائية النهائية، حتى وإن لم تكن طرفاً في النزاع.
وقد اعتبرت المحكمة الدستورية أن الفقرة الأولى من هذه المادة، التي تنص على أنه “يمكن للنيابة العامة المختصة، وإن لم تكن طرفاً في الدعوى، ودون التقيد بآجال الطعن، أن تطلب التصريح ببطلان كل مقرر قضائي من شأنه مخالفة النظام العام داخل أجل خمس سنوات من تاريخ صيرورته حائزاً لقوة الشيء المقضي به”، تتعارض مع المبادئ الدستورية، وخصوصاً تلك المتعلقة بحجية الأحكام القضائية، واستقرار المراكز القانونية، وضمانات المحاكمة العادلة.
ويأتي هذا القرار ليُذكر مجدداً بالدور الأساسي للمحكمة الدستورية في حماية توازن السلط، والتصدي لأي مقتضى قد يفتح الباب أمام تدخل غير مبرر في السلطة القضائية أو يُخل بمبدأ الأمن القانوني.
ويُرتقب أن تُعيد وزارة العدل النظر في النصوص المطعون فيها، خاصة وأن مشروع تعديل قانون المسطرة المدنية يُعد من الأوراش التشريعية الكبرى المرتبطة بتحديث المنظومة القضائية الوطنية.
في خضم هذا الجدل، يطرح متتبعون أسئلة جوهرية حول خلفيات اقتراح مثل هذه الصياغات القانونية، ومدى توافقها مع فلسفة دستور 2011 الذي كرّس استقلال السلطة القضائية عن باقي السلط، وجعل من النيابة العامة جزءاً منها، لا وصياً عليها.



