
فتحت المفتشية العامة لوزارة الداخلية ملفاً حساساً يتعلق بمشاريع محاربة التفاوت المجالي، بعدما وضعت ميزانية تقدر بحوالي خمسين مليار درهم تحت المجهر، في خطوة اعتبرها مراقبون رسالة قوية على جدية الدولة في تعزيز الشفافية ومحاسبة المسؤولين عن تدبير الأموال العمومية.
الأبحاث التي تباشرها المفتشية لا تقتصر على التدقيق المالي فحسب، بل تمتد إلى تقييم نجاعة المشاريع التنموية التي أطلقت خلال السنوات الأخيرة تحت شعار تقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية. غير أن الشبهات التي رافقت بعض المشاريع، سواء على مستوى تأخر الإنجاز أو ضعف الجودة أو غياب الأثر الملموس على حياة المواطنين، دفعت وزارة الداخلية إلى تفعيل آلية التفتيش والمراقبة الصارمة.
وتشير المعطيات إلى أن عدداً من رؤساء المجالس الترابية يوجدون اليوم في دائرة الضوء، حيث تركز الأبحاث على طريقة تدبيرهم للميزانيات الضخمة المرصودة لهذه المشاريع، ومدى احترامهم لمعايير الحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة. ويرى متتبعون أن هذه الخطوة تحمل في طياتها رسائل سياسية واضحة، مفادها أن المال العمومي لم يعد مجالاً مفتوحاً للتدبير العشوائي أو الاستغلال غير المشروع.
ويأتي هذا التحقيق في سياق وطني ودولي يتزايد فيه الضغط من أجل تعزيز الثقة بين المواطن والدولة، خاصة في ظل ما تشهده البلاد من دينامية إصلاحية شاملة تهدف إلى إرساء نموذج تنموي جديد يقوم على العدالة المجالية والاجتماعية. فالمغرب الذي يراهن على مشاريع كبرى للنهوض بالعالم القروي وتوفير بنيات تحتية متوازنة، لن يقبل باستمرار هدر الموارد أو انحرافها عن أهدافها الأصلية.
إن فتح هذا الملف يؤكد أن الرقابة لم تعد مسألة شكلية أو ظرفية، بل خياراً استراتيجياً يروم حماية المال العام وضمان استفادة المواطنين من ثمار التنمية. فهل ستكشف الأبحاث الجارية عن اختلالات جوهرية تعيد ترتيب المشهد المحلي وتفرض محاسبة صارمة؟ أم أن التحقيق سيكتفي بتصحيح بعض الانحرافات التقنية دون أن يطال جوهر الإشكال المرتبط بالفعالية والشفافية؟
مهما كانت النتائج، فإن مجرد وضع ميزانية بحجم خمسين مليار درهم تحت مجهر التفتيش يشكل خطوة لافتة في مسار تكريس الحكامة الجيدة، ورسالة صريحة إلى المنتخبين مفادها أن زمن الإفلات من المساءلة قد ولى.



