مشروع قانون المسطرة الجنائية يوسّع مراقبة الاتصالات الرقمية ويشعل الجدل

عاد مشروع قانون المسطرة الجنائية إلى الواجهة مجددًا، على خلفية توجه تشريعي جديد يرمي إلى توسيع صلاحيات السلطات المختصة في مجال اعتراض ومراقبة الاتصالات الرقمية، بما يشمل المراسلات الفورية عبر تطبيقات مثل واتساب، في خطوة تعكس تحولًا عميقًا في مقاربة الدولة لمكافحة الجريمة داخل الفضاء الرقمي.
فبعد أن كان الاعتراض القانوني يقتصر أساسًا على المكالمات الهاتفية التقليدية، يقترح المشروع توسيع نطاق المراقبة ليشمل الرسائل النصية الرقمية، والبريد الإلكتروني، والمكالمات الصوتية والمرئية عبر الإنترنت، إضافة إلى التفاعلات على منصات التواصل الاجتماعي والتطبيقات المشفرة.
ويأتي هذا التوجه في سياق التحول المتسارع في أنماط الجريمة، التي باتت تعتمد بشكل متزايد على الوسائط الرقمية المشفرة للتخطيط والتنسيق وتبادل المعلومات.
كما ينص المشروع على توسيع دائرة الجهات القضائية المخوّل لها إصدار أوامر الاعتراض، مع اعتماد مساطر أكثر سرعة ومرونة، خاصة في الحالات الاستعجالية التي تفرض تدخلاً فوريًا.
ويهدف هذا التعديل إلى تعزيز فعالية الأجهزة الأمنية في مواجهة الجرائم الرقمية، من خلال توسيع نطاق الاعتراض ليشمل مختلف الأفعال الإجرامية، دون حصره في لائحة محددة، وهو ما يفتح المجال لمراقبة استخدام تطبيقات مثل واتساب في قضايا متعددة.
غير أن هذا التوسع أثار نقاشًا واسعًا بشأن حماية الحياة الخاصة، لا سيما أن تطبيقات التراسل تعتمد على تقنيات التشفير لضمان سرية التواصل، ما يثير تساؤلات حول حدود التدخل القانوني للدولة وإمكانية المساس بحقوق الأفراد.
ويرى مختصون أن الإشكال لا يكمن في مبدأ تحديث الترسانة القانونية لمواكبة التطور التكنولوجي، بل في ضرورة إرساء ضمانات قانونية وقضائية صارمة تكفل تحقيق التوازن بين متطلبات الأمن واحترام الخصوصية، بحيث يظل اعتراض الاتصالات إجراءً استثنائيًا ومبررًا.
ومن المرتقب أن يتصاعد الجدل القانوني والحقوقي حول هذا المشروع، لما له من تأثير مباشر على معادلة الأمن والحرية في العصر الرقمي، ويعيد طرح سؤال جوهري حول كيفية التوفيق بين مكافحة الجريمة الرقمية وصون الحقوق الدستورية للمواطنين.



