القضاء المغربي يؤكد انخراطه في مكافحة الفساد العابر للحدود ويدعو المقاولات إلى ترسيخ ثقافة الامتثال الوقائي

أكد محمد عبد النبوي، الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية، اليوم الجمعة بمدينة طنجة، أن القضاء المغربي منخرط بشكل كامل في الجهود الوطنية والدولية الرامية إلى مكافحة الفساد والجرائم المالية العابرة للحدود، مشددا على أهمية تعزيز التعاون القضائي الدولي وتطوير آليات الامتثال الوقائي داخل المقاولات الوطنية العاملة في الأسواق الدولية.
وجاء ذلك خلال افتتاح أشغال الندوة الدولية حول “القوانين الوطنية لمكافحة الفساد ذات الامتداد خارج الإقليم”، التي تنظمها الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها، بمشاركة خبراء ومتخصصين من داخل المغرب وخارجه.
وأوضح المسؤول القضائي أن العقدين الأخيرين شهدا تحولات عميقة في مجال القانون الجنائي الاقتصادي، تمثلت في تنامي القوانين ذات الامتداد العابر للحدود لمكافحة الفساد، وهو ما أفرز تحديات قانونية وقضائية جديدة تتعلق بالتوفيق بين احترام سيادة الدول ومتطلبات العدالة الدولية الرامية إلى منع الإفلات من العقاب.
وأشار إلى أن القضاء أصبح يواجه إشكالات دقيقة مرتبطة بتنازع الاختصاص القضائي، وتعدد المتابعات أمام محاكم دول مختلفة، إضافة إلى قضايا جمع الأدلة عبر الحدود، وحماية المعطيات الشخصية، وضمان شروط المحاكمة العادلة.
وسجل أن السلطة القضائية تضطلع بدور محوري في مكافحة الفساد، سواء من خلال تطبيق القانون الجنائي، أو مراقبة أعمال الإدارة والصفقات العمومية، أو عبر تفعيل آليات التعاون القضائي الدولي المرتبطة بجرائم الفساد وغسل الأموال.
وفي هذا السياق، أبرز أن المؤسسات القضائية تركز على التكوين المستمر للقضاة، ونشر الاجتهاد القضائي، وتعزيز النجاعة القضائية عبر تبسيط المساطر وضمان البت في القضايا داخل آجال معقولة، مع احترام استقلال القضاء وضمانات المحاكمة العادلة.
وكشف أن أقسام الجرائم المالية بمحاكم الاستئناف الأربع المختصة أصدرت خلال سنة 2025 ما مجموعه 449 مقررا قضائيا، تضمن غرامات ومصادرات وتعويضات مدنية لفائدة الدولة والمؤسسات المتضررة بقيمة ناهزت مليارات الدراهم.
كما أصدرت المحاكم المختصة بقضايا غسل الأموال خلال السنة نفسها أكثر من 720 مقررا قضائيا في حق ما يزيد عن 1496 متهما، بغرامات ابتدائية تجاوز مجموعها 200 مليون درهم، وبمتوسط مدة للبت في الملفات لم يتجاوز 110 أيام.
واعتبر أن هذه المؤشرات تعكس تطورا ملحوظا في نجاعة القضاء المغربي في التصدي للجرائم المالية، وقدرته على استهداف العائدات الإجرامية وتجفيف منابعها المالية.
وفي معرض حديثه عن التجارب الدولية، أكد الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية أن المغرب يتابع باهتمام تطور التشريعات الأجنبية ذات الصلة بمكافحة الفساد، من قبيل القانون الأمريكي لمكافحة الممارسات الفاسدة بالخارج (FCPA) والتجارب الفرنسية والبريطانية، بهدف الاستفادة من الممارسات الفضلى وتطوير المنظومة الوطنية.
ودعا المقاولات المغربية، خصوصا المنفتحة على الأسواق الدولية، إلى الانتقال من منطق رد الفعل إلى ثقافة الامتثال الوقائي، عبر اعتماد خرائط للمخاطر ومدونات للسلوك المهني وتدقيق الوسطاء وإرساء قنوات آمنة للتبليغ عن المخالفات، معتبرا أن الامتثال أصبح شرطا أساسيا لتعزيز التنافسية وحماية السمعة وضمان استدامة النشاط الاقتصادي.
وأكد المسؤول القضائي في كلمته على انخراط المجلس الأعلى للسلطة القضائية في كل المبادرات الرامية إلى ترسيخ دولة الحق والقانون وتعزيز الثقة في المؤسسات، مشيدا بدور الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها في تنظيم هذا الموعد العلمي الدولي.



