بصمات أكاديمية متميزة بسطات.. أطروحة الدكتوراه للباحثة “يحجبوها ماء العينين” ترسم معالم حكامة السياسات العمومية بالمغرب

شهدت كلية العلوم القانونية والسياسية بجامعة الحسن الأول بسطات، مناقشة علمية رفيعة توجت بنيل الطالبة الباحثة “يحجبوها ماء العينين” شهادة الدكتوراه في القانون العام والعلوم السياسية بتقدير مشرف جداً مع تنويه لجنة المناقشة بالعمل والتوصية بالنشر، حول موضوع بالغ الأهمية وشديد الارتباط براهن الإصلاحات الوطنية: “السياسات العمومية بالمغرب: من الدسترة إلى حكامة الأداء”.
لقد حظي هذا البحث الرصين بإشادة واسعة من لجنة المناقشة نظير رؤيته الاستشرافية المتميزة، وتناوله العلمي الجاد لكيفية ترقية أداء الدولة وتطوير كفاءة التدبير العمومي بالمملكة.
المنهج المقارن: تفاعل وتلاقح بين المدارس الدولية
وتتجلى الأهمية العلمية المتميزة لهذه الأطروحة في اعتماد الباحثة على المنهج المقارن كأداة معرفية لرصد مسار السياسات العمومية بالمغرب في انتقالها من “الدسترة” إلى “حكامة الأداء”، وذلك من خلال محاورة علمية رصينة لنموذجين رائدين يمثلان مدرستين فكريتين مختلفتين؛ يتجسد أولهما في النموذج الفرنسي باعتباره امتداداً عريقاً للمدرسة اللاتينية ومختبراً ناضجاً للتأطير الدستوري والبناء المؤسساتي لتعاقد الدولة والجهات، بينما يتمثل ثانيهما في النموذج الأمريكي الذي يكرس ريادة المدرسة الأنجلوسكسونية في مرونة التدبير، وإرساء ثقافة تقييم السياسات، وربط الموازنات بالأثر الملموس ومؤشرات الأداء؛ حيث تكمن الغاية المنهجية من هذا التقابل العلمي في استجلاء حدود الاستلهام والوقوف الدقيق على متطلبات التكيف مع الخصوصيات الدستورية والإدارية للبيئة المغربية، بما يفضي في نهاية المطاف إلى بلورة تصور وطني متكامل لتدبير تعاقدي ترابي يزاوج بذكاء بين انضباط النص القانوني ونضج حكامة الأداء.
تراكم إصلاحي وبناء دستوري متين
وتأسيساً على هذا التحليل المقارن، تنطلق الأطروحة من قراءة تحليلية متفائلة لتاريخ الفعل العمومي بالمغرب، راصدةً كيف استطاعت المملكة عبور محطات دقيقة لتؤسس لنموذج تنموي يضع العنصر البشري في صلب أولوياته؛ حيث تتبعت الباحثة التحول النوعي في التوجهات الكبرى للدولة من التركيز على التوازنات المالية الصعبة إلى إعطاء الأولوية القصوى للتنمية الاجتماعية، لاسيما مع إطلاق المبادرة الوطنية للتنمية البشرية التي أرست ثقافة إشراك المجتمع والمواطن في صياغة الحلول التنموية، مبرزة في السياق ذاته الأهمية التاريخية لثورة دستور 2011 كرافعة حقيقية نقلت قيم الحكامة الجيدة، والشفافية، والتقييم من دائرة المبادرات الإدارية والسياسية إلى مرتبة الالتزامات الدستورية الأصيلة والملزمة، وهو ما تكلل بمأسسة التقييم البرلماني كخطوة شجاعة وممارسة ديمقراطية هادفة مكنت المؤسسة التشريعية بمجلسيها من ممارسة تقييم سنوي رصين وموضوعي يبتعد عن السجال الضيق ويسهم بفعالية في عقلنة الاختيارات التنموية الكبرى للبلاد.
خارطة طريق علمية لنجاعة الأثر
ولم تكتفِ الباحثة بتشخيص المكتسبات وتثمين النموذج المغربي مقارنة بالتجارب الدولية، بل قدمت إطاراً عملياً متكاملاً وخارطة طريق مسترسلة تتضمن مقترحات نوعية للانتقال بالسياسات العمومية إلى مرحلة “حكامة الأداء” الفعلي؛ إذ دعت الأطروحة إلى التفكير الجدي في مأسسة التقييم عبر إحداث هيئة وطنية مستقلة تعنى بوضع معايير ومؤشرات موحدة لقياس الأداء، مع تعميم نظام التدبير المرتكز على النتائج والأهداف داخل مختلف المرافق العامة لتحديد المسؤوليات بشكل أدق، بالموازاة مع تقوية قنوات التنسيق والالتقائية بين الفاعلين والقطاعات الوزارية تحت إشراف رئاسة الحكومة ومجالس الجهات لضمان التناغم التام وتجنب هدر الجهود، مبرزة الأثر الكبير الذي سيلعبه تسريع التحول الرقمي الشامل وتكامل الأنظمة الإحصائية الوطنية في تزويد صناع القرار ببيانات دقيقة وذات صدقية عالية، وهو ما يكتمل بالضرورة عبر إصلاح النظام الميزانياتي وربط تمويل البرامج التنموية بمدى نجاعتها وتحقيقها للنتائج المرجوة على أرض الواقع وبما يضمن مصلحة المواطن أولاً وأخيراً.
خاتمة واعدة: نحو نموذج تنموي بأثر ملموس
وقد خلصت الأطروحة في نتاجها الختامي إلى أن نجاح النموذج التنموي الجديد يرتكز بالأساس على استثمار البيئة الدستورية والمؤسساتية الغنية التي يتوفر عليها المغرب اليوم، معتبرة أن الانتقال الشجاع نحو “حكامة الأداء” المستلهمة من الممارسات الدولية الفضلى والمتكيفة مع الخصوصية الوطنية هو السبيل الأمثل لترسيخ الثقة وبناء مغرب العدالة الاجتماعية والتنمية المستدامة.



