الإنتخابات تحسب بصناديق الإقتراع … لا بالإشاعات

مع اقتراب الاستحقاقات التشريعية، يتجدد خطاب سياسي يروج لفكرة أن نتائج الانتخابات محسومة مسبقًا، وأن انضمام شخصية وازنة إلى حزب معين يكفي للجزم بهوية الفائز. وهو خطاب عاد إلى الواجهة بعد التحاق فوزي لقجع بحزب الأصالة والمعاصرة، حيث سارع البعض إلى تقديم هذه الخطوة باعتبارها دليلاً على أن الحزب أصبح المرشح الأوفر حظًا لقيادة الحكومة المقبلة.
لكن هذا الطرح لا يصمد أمام الوقائع، كما أنه ليس جديدًا في الحياة السياسية المغربية.
ففي انتخابات سنة 2016، روج حزب العدالة والتنمية وأنصاره، على نطاق واسع، لفكرة أن حزب الأصالة والمعاصرة، بقيادة إلياس العماري آنذاك، سيُمنح الفوز بدعم ما كان يُسمى بـ”الدولة العميقة”، وأن العملية الانتخابية تفتقر إلى التنافس الحقيقي. غير أن صناديق الاقتراع جاءت بنتيجة مغايرة، حيث تصدر حزب العدالة والتنمية الانتخابات وقاد الحكومة لولاية ثانية، وهو ما أكد أن الأحكام المسبقة ليست بديلاً عن إرادة الناخبين.
واليوم، يبدو أن المشهد يتكرر، وإن اختلفت الوجوه. فبدلاً من أن ينصب النقاش حول البرامج الانتخابية، والحصيلة الحكومية، والحلول المقترحة لمعالجة الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، اختار عدد من الفاعلين السياسيين تحويل الأنظار نحو شخص فوزي لقجع، وكأن مستقبل الانتخابات يرتبط بفرد لا بإرادة ملايين الناخبين.
غير أن السؤال الذي ينتظر المغاربة الإجابة عنه لا يتعلق بالأشخاص، بل بالحصيلة.
فبعد سنوات من تدبير الشأن العام، من حق المواطنين أن يتساءلوا:
- ماذا تحقق على مستوى القدرة الشرائية في ظل استمرار ارتفاع تكاليف المعيشة؟
- لماذا لا تزال البطالة، خصوصًا بين الشباب، تمثل أحد أبرز التحديات الوطنية؟
- لماذا تتراجع ثقة المواطنين في الأحزاب والمؤسسات السياسية عامًا بعد عام؟
هذه هي الأسئلة التي تستحق النقاش، لأنها ترتبط مباشرة بالحياة اليومية للمغاربة، وليس بالقراءات المسبقة لنتائج الانتخابات.
كما أن استحضار الوقائع يكشف مفارقة لافتة. ففي الوقت الذي يُصوَّر فيه فوزي لقجع باعتباره عنوانًا لـ”النظام” أو مشروعًا جاهزًا لرئاسة الحكومة، فإن مساره الحكومي لا يتجاوز المشاركة في حكومة واحدة، بصفته وزيرًا منتدبًا مكلفًا بالميزانية.
في المقابل، شارك عزيز أخنوش في أربع حكومات، وشارك نزار بركة ونبيل بنعبد الله في ثلاث حكومات لكل منهما، بينما قاد حزب العدالة والتنمية الحكومة خلال ولايتين متتاليتين.
ومن الصعب، في ضوء هذه المعطيات، تصوير من خاض تجربة حكومية واحدة على أنه رمز لاستمرارية السلطة، بينما راكم منتقدوه سنوات طويلة في مواقع القرار والمسؤولية.
إن الديمقراطية لا تقوم على التخمينات، ولا على شيطنة الخصوم، ولا على افتراض نتائج قبل أن يقول الناخب كلمته. الديمقراطية تقوم على التنافس الحر، وعلى تقديم البرامج، وعلى محاسبة من تولى المسؤولية، ثم الاحتكام إلى صناديق الاقتراع.
أما تحويل النقاش من تقييم الإنجازات إلى استهداف الأشخاص، فلن يجيب عن الأسئلة التي تشغل المغاربة، ولن يعوض الحاجة إلى حصيلة واضحة أو رؤية سياسية مقنعة.
وفي النهاية، يبقى القرار بيد المواطن. فهو وحده من يملك، عبر صوته، حق منح الثقة أو سحبها. أما الانتخابات، فلا تُحسم بالتكهنات، ولا بالشائعات، ولا بالخطابات المسبقة، وإنما بإرادة الناخبين يوم الاقتراع.



