“الاستطاعة في زمن التحولات.. ندوة الحج الكبرى تسائل المفهوم وتستشرف المستقبل”

في زمن تتكاثر فيه التحديات وتتعاظم فيه المسؤوليات، جاءت ندوة الحج الكبرى في دورتها التاسعة والأربعين، المنعقدة بمدينة جدة، لتعيد النظر في أحد المفاهيم المحورية في فريضة الحج: الاستطاعة. تحت شعار “الاستطاعة في الحج والمستجدات المعاصرة”، اجتمع لفيف من العلماء والباحثين من مختلف بقاع العالم الإسلامي، لإعادة قراءة هذا المفهوم الفقهي الأصيل في ضوء متغيرات العصر الحديث.
الندوة، التي تنظمها سنوياً وزارة الحج والعمرة بالمملكة العربية السعودية، واكبت هذا العام التحديات الجديدة التي أصبحت ترتبط بأداء الشعيرة، من قبيل الاعتبارات الصحية والتنظيمية والبيئية، إلى جانب القدرة البدنية والمالية، حيث أضحت الاستطاعة لا تقتصر فقط على امتلاك الوسائل، بل تشمل المعرفة والالتزام بالأنظمة والتعليمات التي باتت جزءاً لا يتجزأ من شروط أداء الفريضة بسلام ويسر.
وفي ختام جلساتها العلمية والفكرية، والتي تميزت بالشراكة مع هيئة كبار العلماء ودارة الملك عبد العزيز، شدّد المشاركون على ضرورة توسيع المفهوم الفقهي للاستطاعة ليشمل البعد التنظيمي والمعرفي، وتوعية الحجاج بضرورتهما، حتى لا يتحول أداء الركن الخامس إلى مشقة تهدد المقاصد الكبرى للشريعة الإسلامية، القائمة على رفع الحرج والتيسير.
كما دعا العلماء والباحثون إلى تعزيز البحث العلمي والدراسات الشرعية التي تواكب المستجدات، وتفعيل دور الجامعات ومراكز البحوث في هذا المجال، بغرض بناء فهم مقاصدي متجدد للفريضة، يحقق الموازنة بين الثوابت الشرعية والمتغيرات الواقعية.
ومن أبرز المحطات التي توقف عندها المشاركون، الإشادة بالمبادرات السعودية المتميزة في تسهيل أداء المناسك، وعلى رأسها مبادرة “طريق مكة”، التي مكّنت الحجاج من استكمال إجراءات الدخول من مطارات بلدانهم، قبل التوجه إلى الأراضي المقدسة، وهو ما استفاد منه هذا العام أزيد من 12 ألف حاج مغربي، إلى جانب حجاج من سبع دول أخرى منها إندونيسيا وماليزيا وتركيا.
كما نوه المشاركون بمنصة “نسك” الرقمية، التي وفّرت حزمة متكاملة من الخدمات الذكية لتيسير رحلة الحاج، من التسجيل والتأشيرات، إلى الإرشاد والخدمات الميدانية.
ولم تغفل الندوة البعد التاريخي والروحي للحج، إذ أعلن الأمير فيصل بن سلمان بن عبد العزيز، المستشار الخاص لخادم الحرمين الشريفين، عن الإطلاق الرسمي لملتقى “تاريخ الحج والحرمين الشريفين”، المرتقب تنظيمه في نونبر المقبل، ضمن مشروع علمي طموح يوثق لتاريخ هذه الشعيرة العظيمة.
وقد توزعت أشغال الندوة على عدة جلسات علمية، أبرزها جلسة وزارية حول “تيسير الشعيرة وتمكين القاصدين وفق رؤية المملكة”، بمشاركة وزراء ومسؤولين بارزين، وجلسة أخرى بعنوان “مفهوم الاستطاعة في الإسلام وأثره في تيسير شعيرة الحج”.
يُذكر أن هذه الندوة العلمية العريقة انطلقت لأول مرة سنة 1977، لتشكل منذ ذلك الحين منصة مرجعية للنقاش العلمي والفكري حول الحج، تجمع علماء ومفكرين من العالم الإسلامي، في مسعى لتعزيز الفهم الجماعي والتضامن الديني، وبحث سبل تطوير الخدمات المقدمة لضيوف الرحمن، بما ينسجم مع روح العصر ومقاصد الشريعة.
في الختام، تؤكد ندوة الحج الكبرى أن فريضة الحج، رغم قدسيتها ورسوخ أحكامها، تظل فريضة متجددة في معانيها ومقاصدها، تستدعي فقهاً مرناً، ووعياً جماعياً، وإرادة خادمة لراحة ضيوف الرحمن، حتى يتحقق المعنى الأسمى لـ”الاستطاعة” كما أرادها الإسلام: قدرة، ووعي، وسلام.



