
لطالما شكل النقاش حول التقويم الأمازيغي، الذي يحمل الرقم 2975، مادة خصبة للجدل الثقافي والهوياتي. ومع تصاعد الأصوات المطالبة بالاعتراف به كجزء من التراث المغربي، يبرز تساؤل جوهري حول جذوره ودلالاته ومدى ارتباطه الوثيق بتاريخ الأمازيغ وحضارتهم عبر العصور. هذا الموضوع يفرض العودة إلى الوقائع التاريخية بعيدا عن التحيز والانفعالية.
التقويم الأمازيغي: حقيقة أم افتراض؟
تاريخ الأمازيغ، المليء بالنصوص والشواهد الحضارية، يكشف عن استخدامهم للتقويم الإسلامي بشكل رئيسي، خاصة منذ القرن الحادي عشر الميلادي، حين ترك علماء الأمازيغ إرثا فكريا مكتوبا بالحرف العربي. غير أن السؤال الذي يطرح نفسه هنا: هل هناك أدلة تاريخية تربط الرقم 2975 بالموروث الأمازيغي بشكل مباشر؟
بالمقارنة مع التقويمين الميلادي والهجري، نجد أن هذين الأخيرين يمتلكان شواهد تاريخية واضحة تدعم استخدامهما المتواصل عبر النقوش والوثائق. على عكس ذلك، يفتقر التقويم الأمازيغي إلى أدلة مماثلة تعزز مكانته كتقويم أصيل وراسخ في التاريخ الأمازيغي.
شيشونغ والأسرة الليبية: جدل الانتماء
يعتمد مؤيدو التقويم الأمازيغي على ربط بدايته باعتلاء الملك شيشونغ عرش الفراعنة في مصر القديمة. ومع ذلك، فإن الفجوة الزمنية الكبيرة والتباعد الحضاري والجغرافي بين الأمازيغ ومصر الفرعونية يطرحان تساؤلات جدية حول مدى مصداقية هذا الارتباط. إذا كان شيشونغ رمزا قوميا للأمازيغ، فهل يعني ذلك أن مصر أيضا جزء من هذه الهوية بحكم صلاتها به؟
هوية أمازيغية متجذرة في الإنجاز
الهوية الأمازيغية ليست بحاجة إلى تأصيلها عبر سرديات جانبية أو أساطير يصعب إثباتها. تاريخ المغرب غني بشخصيات وأحداث رسخت حضوره الحضاري، من المرابطين والموحدين إلى الأعلام الوطنية مثل المختار السوسي ومحمد عبد الكريم الخطابي. هؤلاء الأجداد عاشوا هويتهم الأمازيغية دون الحاجة إلى خلق رموز غامضة.
نحو إطار بديل للاعتزاز بالهوية
بدل التركيز على أرقام أو أحداث مشكوك فيها، يمكننا تسليط الضوء على الحقائق الأثرية التي تكشف عن دور المغرب كمركز حضاري في العصر الحجري الحديث. الاكتشافات الأثرية الحديثة، مثل المركب الزراعي في الخميسات، تبرز مساهمة المغرب في نشأة الزراعة والاستقرار البشري، متقدمة بذلك على حضارات الهلال الخصيب.
هوية مبنية على حقائق لا أساطير
إن الاعتزاز بالهوية الأمازيغية يجب أن يرتكز على إنجازات واضحة وموثوقة، لا على أرقام أو رموز غامضة. قوة الأمم اليوم تبنى على سرديات تستند إلى حقائق تاريخية ومعطيات علمية دقيقة، لا على أساطير عاطفية. لذلك، من الضروري إعادة النظر في الطريقة التي نقدم بها تاريخنا وهويتنا، مع التركيز على إنجازات أجدادنا وإسهاماتهم الحضارية التي تركت بصمة واضحة في تاريخ الإنسانية.
الهوية ليست مجرد شعارات أو رموز. إنها التزام مستمر ببناء سرديات تستند إلى الحقيقة وتبرز قيم الحضارة والإنسانية.
فاطمة الزهراء الجلاد.
Follow Us



