راوية… ملامح تسبق الحوار وتصنع المشهد

كــــــريم حـــــدادي
نظرة من عينيها تساوي ألف مشهد؛ هكذا يمكن تلخيص حضور فاطمة هراندي، الشهيرة بـ”راوية”، تلك الممثلة التي صنعت مسارها بملامح صادقة وأداء يفيض بسحر التجربة وخبرة السنوات. حضور لا يحتاج صخباً ليُرى، ولا زخرفة ليُصدّق؛ يكفي أن تتمايل نظرتها على الشاشة حتى يتولد ذلك الإحساس العميق بأن أمامنا فنانة تعرف جيداً معنى التمثيل، وتدرك تماماً كيف يتحول الدور إلى كيان حيّ.
ومع هذا الحضور الطاغي، يبرز سؤال مُلح:
لكن ما الذي يجعل لحظة تكريم راوية في مراكش ذات دلالة خاصة؟
بين طيات هذا السؤال يكشف فصل جديد من الحكاية، إذ يأتي حضورها في هذه الدورة من المهرجان الدولي للفيلم بمراكش كتأكيد لمسار طويل ظل ثابت الخطى رغم تقلبات الصناعة. تكريم لا يُمنح فقط لمن يعتلون الواجهة، بل لمن استطاعوا أن يتركوا ظلالهم في ذاكرة المتلقي بصدق الأداء ونقاء الروح.
ومن هنا ينبثق سؤال آخر بطبيعته:
كيف بدأت هذه الفنانة رحلتها قبل الوصول إلى خشبة التكريم؟
تعود شرارة البداية إلى مدينة أزمور سنة 1951، قبل أن تقودها خطواتها إلى الدار البيضاء حيث كان المسرح أول فضاء يعترف بموهبتها. على خشبة “ثانوية شوقي”، وبإشراف الراحل مصطفى التومي، التقطت أولى إشارات الموهبة، لتواصل مشوارها نحو الرباط وتنضم إلى فرقة “المنصور”. هناك، تُتوَّج أفضل ممثلة عن دورها في مسرحية “الفاشلون”.
وبعد هذا الفوز المبكر، يطرح سؤال مهم:
وما الذي عزز حضورها المسرحي قبل أن تعبر نحو السينما؟
تتضح الإجابة في سلسلة من التجارب المثرية، إذ تلقت تدريباً مكثفاً على يد أسماء مسرحية لامعة مثل الطيب الصديقي وأحمد الطيب العلج وفريد بنمبارك وعبد الصمد الكنفاوي. هذا الأخير اختارها لاحقاً للانضمام إلى “الفرقة الوطنية للمسرح”، حيث صارت جزءاً من عروض شكلت ذائقة المسرح المغربي في تلك الحقبة.
ومع ذلك، يبقى سؤال جوهري قائماً:
كيف انتقلت من الخشبة إلى الشاشة الكبيرة؟
جاء التحول مع المخرج محمد العبازي سنة 1978، حين منحها بوابة العبور إلى السينما، ثم رسّخ حضورها في فيلم “كنوز الأطلس” (1997). منذ تلك اللحظة، بدأت مسيرتها السينمائية تتفتح على أدوار مختلفة، تجمع بين العمق الإنساني والقدرة على تجسيد الواقع.
وهنا يثار سؤال واسع الأفق:
وما هو الامتداد السينمائي الذي صنعته منذ ذلك الحين؟
وتجيب أعمالها نفسها عن هذا الامتداد، من خلال رصيد سينمائي غني:
1997: كنوز الأطلس
2000: قصة وردة
2001: شفاه الصمت – منديل صفية
2002: عطش – منى صابر
2003: العيون الجافة
2004: موسم جاف – الرحلة الكبرى – ذاكرة معتقلة
2006: انهض يا مغرب – أبواب الجنة
2008: كازانيكرا – فرنسية – ألو كندا
2009: كريان زومبي – مسحوق الشيطان – رجل فوق الشبهات
2010: من الآلهة والرجال
2013: روك القصبة – سرير الأسرار
2014: ساجا، الرجال الذين لا يعودون أبدا – فورماطاج
2015: آية والبحر
2016: حياة بريئة – مسافة ميل بحذائي
2017: الحاجات
2018: صوفيا – أبواب السماء – كيليكيس دوار البوم
2019: كلوز
2023: مكاتيب
وبين سطور هذا المسار السينمائي، يتولد سؤال آخر:
وماذا عن حضورها في الدراما التلفزيونية التي يتابعها الجمهور المغربي؟
حضورها في التلفزيون لا يقل ثراءً، فقد تركت بصمتها في مجموعة من الأعمال الناجحة:
2017–2019: رضاة الوالدة
2020: هي
2022: كابتن حجيبة
2022–2023: جريت وجاريت
2023: كازا ستريت – كنيناتي – عايشة – كاينة ظروف
ومع هذا الامتداد المتنوع، يعود التساؤل ليطل من جديد:
كيف استقبلت راوية لحظة التكريم في مراكش؟
حملت ليلة التكريم الكثير من الدفء، حيث تسلمت الجائزة من المخرج نور الدين الخماري الذي جمعته بها أعمال عدة. وفي خطابها، اختارت أن تُهدي التكريم للجمهور المغربي. سبق أن نالت جوائز مهمة مثل أفضل ممثلة من مهرجان طنجة عن فيلم العيون الجافة وأفضل ممثلة من أيام قرطاج السينمائية عن مسافة ميل بحذائي.
وبعد هذه اللحظة الإنسانية العميقة، يبرز سؤال لا بد منه:
وما الذي يجعلها إلى اليوم مختلفة عن جيل كامل من الممثلين؟
تتمسك راوية بصدق الأداء وتعتبر الفن مسؤولية قبل أن يكون واجهة. لا تركض خلف الشهرة ولا تخضع لمنطق الترند، بل تظل منتمية إلى مدرسة تعتبر التمثيل حالة إنسانية قبل أن يكون تقنياً. لذلك تبدو شخصياتها دائماً حيّة ومتجذرة في الواقع.
وفي نهاية هذا المسار الغني، يطل السؤال الأخير:
فهل تبدو إذن لحظة التكريم مجرد وقفة أم شهادة بمسار؟
تؤكد سنواتها الطويلة أن التكريم ليس محطة عابرة، بل اعتراف بمسار طويل ومخلص. مسار جعل من راوية واحدة من أبرز الأسماء التي حافظت على عمق الفن المغربي، ومن كل نظرة لها مشهداً يستحق الوقوف عنده.



